العقوبات الاقتصادية – الدليل الكامل لفهم أداة حسم الصراع

تأثير العقوبات الاقتصادية

يتجه المجتمع الدولي بشكل مطّرد ومتزايد إلى استخدام الأسلحة المالية كوسيلة لتجنب الصراع العسكري. يصعُب التنبؤ بتأثير هذه الأسلحة، والتي تسمى عادة بـ”العقوبات الاقتصادية”، وقد يلازمها اضراراً جانبية سنتعرف عليها في هذا المقال.

بالنظر إلى مفهموم العقوبات الاقتصادية عبر التاريخ، يمكننا التنبؤ بفرضية أنها ستكون أكثر فاعلية عندما تجتمع مجموعة من الدول – وفي حالة يومنا هذا كالمجتمع الدولي – لانتزاع تنازلات من جهة فاعلة أخرى في السياسة العالمية. كما فعلت الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الاوروبي وجملة من بقية دول العالم اليوم في أعقاب الغزو الروسي الشامل لاوكرانيا.

تاريح استخدام العقوبات الاقتصادية

يعود تاريخ استخدام الأسلحة المالية ومنها العقوبات كشكل من أشكال الحرب إلى آلاف السنين عندما فرضت أثينا حظراً تجارياً على مدينة ميغارا عام 432 قبل الميلاد. أما في التاريخ العربي، فكان المجتمع القرشي أول من استخدم العقوبات الاقتصادية كسلاحِ ضغطٍ على بني هاشم ومنعوا أي تعامل معهم في البيع والشراء.

توثق قاعدة بيانات جامعة دريكسل العالمية للعقوبات الاقتصادية، زيادة مطردة في عدد حزم العقوبات المطبقة ما بين -حزمتين في عام 1949 إلى 230 حزمة عقوبات عام 2019. وتمثل أمريكا 42% من إجمالي 1100 حزمة مفروضة بين تلك السنوات. يليها الاتحاد الاوروبي بنسبة 12% ثم الأمم المتحدة بنسبة 7%. ووفقاً لوزارة الخزانة الأمريكية ارتفع استخدام أمريكا للعقوبات 10 أضعاف في العقدين التاليين لهجمات الحادي عشر من سبتمبر.

قياس فعالية العقوبات

تم تقييم نتيجة 1100 حزمة من العقوبات بين عامي 1949 و 2019 بناءً على الأهداف المعلنة مع وجود أكثر من هدف لبعض الحِزم.

نتيجة العقوبات الاقتصادية
المصدر: قاعدة بيانات العقوبات الاقتصادية العالمية لجامعة دريكسل

العقوبات الاقتصادية كبديل للحل العسكري

كانت العقوبات الاقتصادية أداة أخرى بجانب الأدة العسكرية الرئيسية في نظريات علم السياسة لفترة من الوقت. لكن العالم حديثاً دخل مرحلة جديدة من العولمة تتميز بالاستخدام المتزايد للأدوات الاقتصادية للأغراض الجيوسياسية وللتأثير في جغرافيا الاقتصاد. قد نشهد حروباً بالوكالة ومواجهات عسكرية غير مباشرة، لكن العلاقات بين القوى الرئيسية ستتشكل من خلال الحرب الاقتصادية أولاً وقبل كل شيء. ويرجع ذلك أساساً، إلى أن هذه القوى ستحاول تجنب المواجهة المباشرة لدرء خطر استخدام الأسلحة النووية، ولأنها بكل سهولة تستطيع استخدام فرضية الاعتماد الكلي غير المتكافئ في اقتصادات بعض الدول – مثال على ذالك: اعتماد الاقتصاد الكُلي في بعض دول العالم على الاقتصاد الأمريكي، سيجعل منها لقمة سائغة في حال استخدام الأسواق المالية الأمريكية للضغط عليها.

ماهي الأشكال التي يمكن أن تتخذها العقوبات الاقتصادية

تهدف العقوبات الاقتصادية إلى إلحاق الضرر بهدف – قد يكون شخصاً أو شركةً أو مجموعةً أو بلداً بأكمله – من خلال القيود المفروضة على التجارة، أو الوصول إلى الأصول المالية أو القدرة على معالجة المعاملات التجارية بالدولار أو باليورو. قد يواجه الأشخاص الخاضعين للعقوبات حظر السفر ومصادرة الممتلكات – مثل اليخوت التي يمتلكها المليارديرات الروس والتي تم حجزها ومصادرتها مع بداية الحرب الروسية الاوكرانية. بالإصافة إلى إمكانية مواجهة أطراف ثالثة عقوبات اقتصادية للممارسة الأعمال التجارية مع الأشخاص أو الكيانات الخاضعة للعقوبات.

إلى أي مدى قد تنفع العقوبات الاقتصادية

هنالك نقاش حاد حول هذا الأمر في دوائر الفكر ومراكز الدراسات حول العالم. لاحظ الدارسون بهذا الشأن، أنه بالرغم من أن العقوبات تُفرض لتغيير سلوك قادة مثل الرئيس فلاديمير بوتين أو رئيس النظام السوري بشار الأسد، إلا أنها قد تهدف في بعض الأحيان إلى الإشارة عن عدم الرضا على نظام معين، وقد تكون أحياناً أخرى إجراءً لإرضاء الجماهير المحلية الغاضبة فقط. وجد باحثو جامعة دريكسيل أن حوالي 35% من الأهداف المعلنة للعقوبات قد تحققت بالكامل، و14% تحققت جزئياً، و6% أسفرت عن تسوية سياسية، و فشلت 22%، وأما النسبة الباقية منها فإنها لم تظهر نتيجتها حتى الآن. لكن نجاح أهداف العقوبات الاقتصادية بشكل عام اعتمد على نوعية الهدف المحدد من فرض تلك العقوبات. حيث تمت ملاحظة أن أهداف مثل تعزيز الديمقراطية وحقوق الإنسان تحققت بشكل أكبر من تلك التي استهدفت الإرهاب، أو زعزعة استقرار نظام استبدادي ما أو حل صراع اقليمي معين.

العوامل الأخرى التي تساهم في نجاح العقوبات

عادةً ماتكون العقوبات الاقتصادية التي يتم فرضها بين الدول التي تتمتع بعلاقات ودية فيما بينها أكثر فعالية وتأثيراً من تلك العقوبات الاقتصادية التي تفرض بين الدول التي لديها تاريخ عدائي مشترك. ومن الأمثلة الواضحة على العقوبات من النوعية الأولى هو تهديد الولايات المتحدة الأمريكية بسلاح العقوبات الاقتصادية في خمسينيات القرن الماضي خوفا من صدام بين القوة العظمى آنذاك لحمل اسرائيل وانجلترا على التخلي عن حملة لانتزاع قناة السويس المصرية بعد أن قام الرئيس جمال عبد الناصر بتأميمها. ومن المرجح أيضاً ان تستجيب الدول الديمقرطية أو شبه الديمقراطية والتي تهتم بالرأي الدولي وتعتمد على التجارة والتمويل العالمي، للعقوبات الاقتصادية أكثر من الأنظمة الاستبدادية المعزولة مثل تلك الموجودة في كوريا الشمالية أو إيران.

سلبيات العقوبات

تم تصميم فكرة العقوبات الاقتصادية للضغط على قادة أي بلد وانتزاع تنازل ما تحدده أهداف تلك العقوبات. لكن غالباً ما تُلحِق تلك الإجراءات أضراراً جانبية للموطنين من خلال ارتفاع نسبة التضخم وخلق نقص في السلع الأساسية. وهذا أحد أهم الأسباب التي دفعت الحكومات في السنوات الأخيرة إلى التحرك نحو فرض “عقوبات مستهدفة” تهدف إلى التضيق على مجالات محددة بدلاً من استهداف دولة بأكملها.

يمكن أن تكون هنالك أيضاً عواقب سلبية على الدول نفسها التي تفرض العقوبات، كما في حالة روسيا وهي ثاني أكبر مصدر للنفط الخام في العالم ومصدر مهم للأسمدة والقمح والمعادن، أدت العقوبات المفروضة عليها إلى حدوث تضخم قاسي وتقلبات شديدة في الأسعار أثرت على المواطنين في امريكا ومعظم الاتحاد الاوربي وهددت بإبطاء النمو الاقتصادي العالمي.

اقرأ أيضاً:

بوتين “الروبل” مستقر، والعقوبات تضر بالاقتصاد الغربي

ايلون ماسك يشتري تويتر ويصفع المشككين

اخبار جوجل

رف المراجع

  1. Sanctions
  2. Decoder: Why do countries impose sanctions
  3. How Russia’s War in Ukraine Is Choking the World’s Supply of Natural Resources
  4. Do Sanctions Work? Financial Alternatives to War Explained
  5. Suez Crisis
  6. What do sanctions help achieve? An expert explains
اترك تعليقا