تحقيق استقصائي
في عالم اليوم، يتم تسويق القروض البنكية والبطاقات الائتمانية كأدوات لـ "تحقيق الاحلام" وشراء الرفاهية. لكن الحقيقة الاستقصائية تكشف ان هذه الادوات هي في الواقع "هندسة مالية" دقيقة تهدف لابقاء الفرد في حالة ركض مستمر خلف لقمة العيش، بحيث يذهب الجزء الاكبر من دخله الانتاجي لصالح "الفائدة" بدلا من "بناء الثروة".
هذا التحقيق يفكك كيف تتحول "القروض" من وسيلة تمويل الى سلاح لامتصاص سيولة الشعوب وتحويلها الى بنوك عالمية عابرة للقارات.
الفائدة المركبة العكسية: المحرك الذي يعمل ضدك
يصف "البرت اينشتاين" الفائدة المركبة بأنها "الاعجوبة الثامنة في العالم"، فمن يفهمها يربحها ومن لا يفهمها يدفعها. في النظام البنكي الحالي، يتم تصميم القروض الشخصية وقروض الاسكان بحيث تدفع انت في السنوات الاولى "الفائدة" فقط، بينما يبقى "أصل الدين" ثابتا تقريبا.
عندما تأخذ قرضا سكنيا لمدة ٢٠ عاما، فإنك في الحقيقة تشتري "بيتين": بيتا تسكن فيه انت، وبيتا تهديه للبنك عبر الفوائد المتراكمة. هذا التوزيع للارباح يضمن ان البنك قد استرد ارباحه بالكامل في اول ٧ سنوات، مما يجعل اي محاولة للسداد المبكر لاحقا غير ذات جدوى اقتصادية كبيرة للمقترض. نحن امام "نظام امتصاص" مبرمج للسيولة الفردية.
البطاقات الائتمانية: الفخ الذي يقتات على "الحد الادنى"
تعد البطاقة الائتمانية (Credit Card) اعظم اختراع لشركات التمويل لضمان "الاستهلاك العاطفي". عندما تشتري ببطاقتك، فإن عقلك لا يشعر بألم الفقد المالي كما يشعر عند دفع الكاش. لكن الخدعة الكبرى تكمن في "خيار الحد الادنى للسداد".
عندما يغريك البنك بدفع ٥٪ فقط من قيمة المشتريات، فهو في الحقيقة يحولك الى "عميل دائم" (Revolver). الفائدة على هذه البطاقات تصل احيانا الى ٢٤٪ سنويا، وهي نسبة فلكية تعني ان مشترياتك البسيطة ستكلفك اضعاف ثمنها اذا لم تسددها فورا. النظام يعلم انك ستتعثر يوما ما، وهذا التعثر هو "الدجاجة التي تبيض ذهبا" للمصارف.
تزييف مفهوم "الامان المالي": لماذا يريدونك موظفا مديونا؟
ان النظام المالي العالمي يفضل "الموظف المديون" على "المستثمر الحر". الموظف المديون هو شخص يمكن التنبؤ بسلوكه؛ فهو لا يستطيع الاستقالة، ولا يجرؤ على المخاطرة، ويقبل بظروف عمل قاسية لانه "رهين" لقسط البنك في نهاية كل شهر.
الديون هي "الاصفاد" الجديدة التي استبدلت السلاسل الحديدية. وبدلا من ان يقودك الحارس، يقودك "الاشعار البنكي". التحقيق سيكشف كيف يتم التنسيق بين شركات التسويق التي تدفعك للشراء، وبين البنوك التي تمنحك المال، لخلق دائرة مفرغة من "العمل - الاستهلاك - الدين".
"خلق المال من العدم": حقيقة الاحتياطي الجزئي
واحدة من اكثر الحقائق التي يجهلها الناس هي ان البنك لا يقرضك "اموال المودعين" كما تشيع الكتب المدرسية. بل يقوم النظام البنكي عبر "الاحتياطي الجزئي" بخلق رقم جديد في حسابك بمجرد توقيعك على عقد القرض.
هذا المال "الوهمي" الذي تم خلقه من الهواء، يطالبك البنك برده بـ "مال حقيقي" ناتج عن عرقك وجهدك وساعات عمرك، مضافا اليه "الفائدة". اننا امام اكبر عملية "مبادرة وهم بحقيقة" في التاريخ، حيث تسيطر القلة التي تملك حق اصدار الائتمان على جهد الكثرة التي تضطر لاستدانته.
كيف تشتري البنوك مستقبلك عبر خوارزميات "السكورينج" والرسوم المستترة؟
في هذا الجزء، نفكك الالية التي تجعل البنك يبتسم في وجهك عندما تطلب قرضا، بينما تخفي برمجياته "حكما مسبقا" على قدرتك الانتاجية للسنوات القادمة. ان التقييم الائتماني (Credit Score) ليس مجرد رقم، بل هو "وسم رقمي" يحدد مدى صلاحيتك للاستغلال المالي ضمن المنظومة.
خديعة "التقييم الائتماني": نظام المكافأة على الاستدانة
يتم الترويج للتقييم الائتماني كأداة لقياس "الامانة المالية"، لكن الحقيقة الاستقصائية تقول انه نظام يكافئ "المقترض المثالي" وليس "الانسان الغني". اذا كنت تملك ملايين الدنانير في حسابك ولا تقترض ابدا، فقد يكون تقييمك الائتماني ضعيفا.
البنوك تريدك ان تكون "مديونا منضبطا"؛ اي انك تقترض باستمرار وتسدد الفوائد بانتظام دون ان تغلق القرض تماما. هذا الرقم الذي تلاحقه هو في الحقيقة "مقياس ربحية العميل" بالنسبة للمصرف. كلما ارتفع رقمك، زادت العروض التي تنهال عليك، ليس لان البنك يحبك، بل لانك اثبت انك "بقرة حلوب" تلتزم بدفع الفوائد دون مشاكل.
الرسوم المخفية: "النمل" الذي يأكل ثروتك
عند توقيع عقد القرض، يركز العميل على "سعر الفائدة" (Interest Rate)، لكن البنوك تخفي الارباح الحقيقية في تفاصيل تسمى "الرسوم الادارية"، "عمولات السحب"، "رسوم التأمين على الحياة قسرا"، و"رسوم تجديد التسهيلات".
هذه الرسوم قد ترفع التكلفة الفعلية للاقتراض بنسبة تتجاوز ٣٪ او ٤٪ عن الرقم المعلن. وفي حال رغبت في "السداد المبكر" للهروب من فخ الفائدة، تصدمك البنوك بـ "غرامة السداد المبكر"، وهي اداة عقابية قانونية تهدف لمنعك من استعادة حريتك المالية قبل ان يستنفد البنك كل الارباح المخطط لها من عرق جبينك.
"اعادة الهيكلة": الفخ الذي يطيل امد العبودية
عندما يشعر البنك ان العميل بدأ يختنق بالديون، يتقدم بـ "حل سحري": اعادة هيكلة القرض (Refinancing). يتم عرض "قسط شهري اقل" وفترة سماح. يبدو الامر كطوق نجاة، لكنه في الحقيقة "تجديد لعقد الاستعباد".
بإعادة الهيكلة، يتم دمج الفوائد القديمة مع اصل الدين الجديد، وتبدأ دورة الفائدة المركبة من الصفر مرة اخرى. يخرج العميل بـ "نفس مالي" مؤقت، لكنه يكتشف لاحقا انه سيبقى مديونا لمدة ١٠ سنوات اضافية لم تكن في الحسبان. البنوك تعشق اعادة الهيكلة لانها تحول "الديون المتعثرة" الى "اصول رابحة" طويلة الامد.
سيكولوجيا "الرفاهية الزائفة": كيف يتم تدمير الطبقة الوسطى؟
تستخدم البنوك في حملاتها الاعلانية صورا لعائلات سعيدة في منازل فخمة وسيارات حديثة، وتربط هذه السعادة بـ "سهولة الحصول على القرض". هذا الضغط النفسي يدفع ابناء الطبقة الوسطى للدخول في "سباق التسلح الاستهلاكي".
بدلا من ان تتدخر الطبقة الوسطى اموالها للاستثمار في اصول تولد دخلا، يتم توجيهها لاقتراض اموال لشراء "التزامات" (Liabilities) تفقد قيمتها بمجرد خروجها من المعرض. النتيجة هي طبقة وسطى "تبدو ثرية" لكنها في الحقيقة على بعد "راتب واحد" من التشرد والافلاس. ان تجفيف منابع الادخار لدى الشعوب هو الهدف الاستراتيجي غير المعلن للمنظومة البنكية، لان الادخار يعني الاستقلال، والاستقلال هو عدو المصارف.
كيف يحول الرهن العقاري حلم العمر الى اكبر عملية مصادرة للثروة؟
في العرف الاجتماعي، يعتبر امتلاك منزل هو قمة "الامان". لكن في العرف البنكي الاستقصائي، يعتبر الرهن العقاري (Mortgage) هو الاداة المثالية لضمان ولاء الموظف للمنظومة لمدة ٢٥ عاما. ان كلمة "Mortgage" في اصلها اللاتيني تعني "تعهد الموت" (Death Pledge)، وهو مسمى لم يأت من فراغ، بل يعكس حقيقة ان هذا الدين لا ينتهي الا بنهاية القدرة الانتاجية للانسان.
خديعة "التملك" المبكر: انت لا تملك المنزل، البنك يملكه
يوهمك البنك بانك "مالك" للمنزل بمجرد توقيع العقد، لكن الحقيقة القانونية هي ان البنك هو المالك الفعلي حتى اخر قسط. خلال اول ١٠ سنوات من القرض، تذهب ٨٠٪ من اقساطك الشهرية لتغطية "الفوائد" فقط، بينما لا ينخفض اصل الدين الا بمبالغ زهيدة.
هذا يعني انك اذا قررت بيع المنزل بعد ١٠ سنوات، ستكتشف انك ما زلت مدينا للبنك بمعظم الثمن الاصلي، رغم انك دفعت مبالغ طائلة. ان نظام "الاستهلاك المتناقص" للفائدة مصمم بدقة لضمان ان البنك يحقق ارباحه اولا، ويترك لك "الفتات" من قيمة العقار في حال حدوث تقلبات اقتصادية.
تضخم العقار الوهمي: هل يرتفع سعر منزلك حقا؟
يروج السماسرة والبنوك لفكرة ان "العقار دائما يرتفع". الحقيقة هي ان التضخم الناتج عن "سهولة الاقتراض" هو ما يرفع الاسعار بشكل اصطناعي. عندما يمنح البنك قروضا للجميع، يزداد الطلب وترتفع الاسعار، مما يضطر المقترض القادم لاخذ قرض اكبر بفوائد اكثر.
الرابح الوحيد هنا هو البنك والشركات العقارية الكبرى. اما انت، فستكتشف ان الارتفاع في سعر منزلك لا يغطي حجم الفوائد والرسوم والضرائب وصيانة العقار التي دفعتها طوال سنوات الرهن. اننا امام "فقاعة ائتمانية" مستمرة تجعل السكن حقا صعب المنال دون الخضوع لشروط "العبودية المالية".
"الفوائد المتغيرة": لغم مزروع في مستقبلك
من اخطر الثغرات في عقود الرهن العقاري هي "الفائدة المتغيرة" المرتبطة بأسعار الفائدة العالمية (مثل الليبور او قرارات البنوك المركزية). يتم استدراج العميل بفائدة منخفضة في البداية، ومع اي اهتزاز اقتصادي عالمي، ترتفع الفائدة ويرتفع معها القسط الشهري بشكل جنوني.
هذه الالية حولت حياة مئات الالاف من الاسر الى جحيم، حيث وجدوا انفسهم مضطرين لدفع مبالغ تتجاوز قدرتهم الشرائية، مما يؤدي في النهاية الى "الاستحواذ" (Foreclosure) من قبل البنك. هنا تكتمل الجريمة؛ البنك استلم فوائد لسنوات، ثم استرد المنزل، وضاع جهد العميل وسنوات عمره في مهب الريح.
الرهن العقاري كأداة للتحكم في "الجرأة الوظيفية"
الانسان الذي يحمل على عاتقه رهنا عقاريا لمدة ٢٠ عاما هو انسان "سهل الانقياد" في سوق العمل. هو لا يجرؤ على المطالبة بزيادة راتب بحدة، ولا يجرؤ على ترك وظيفة لا تعجبه، ولا يملك الرفاهية للمغامرة ببدء مشروعه الخاص.
ان الديون العقارية هي "المرساة" التي تثبت الطبقة الوسطى في قاع الهرم الوظيفي، وتمنعها من الصعود نحو الاستقلال المالي. النظام يريدك ان تظل "ترسا" في الماكينة لتضمن تدفق الاموال نحو الصناديق الاستثمارية الكبرى التي تملك البنوك. ان المنزل الذي تظن انه "امانك" هو في الحقيقة "القيد" الذي يمنعك من الحرية.
كيف تحول البطاقات والقروض الشخصية جهدك اليومي الى ارباح بنكية ابدية؟
اذا كان الرهن العقاري هو "سجن الاسمنت" طويل الامد، فان البطاقات الائتمانية والقروض الشخصية هي "القيود اليومية" التي تمنعك من التنفس ماليا. ان شركات التمويل لا تبيعك "سيولة"، بل تبيعك "اقتطاعا من مستقبلك". في هذا الجزء، نفكك هندسة الرسوم التي لا يراها العميل الا بعد فوات الاوان.
خديعة "الحد الادنى للسداد": فخ الابدية المالي
تعتبر جملة "الحد الادنى للسداد" (Minimum Payment) هي اكثر الجمل تضليلا في تاريخ البنوك. عندما يخبرك البنك انه يمكنك دفع ٥٪ فقط من رصيد البطاقة، فهو لا يقدم لك معروفا، بل يطبق عليك قاعدة "الديون التي لا تنتهي".
الحقيقة الاستقصائية تقول ان دفع الحد الادنى فقط يعني انك تسدد "الفائدة" وجزءا ضئيلا جدا من "اصل الدين". بعملية حسابية بسيطة، اذا كان عليك دين بـ ٣٠٠٠ دينار ببطاقة ائتمان، واكتفيت بدفع الحد الادنى، فستحتاج الى ٢٠ عاما لتسوية الدين، وستكون قد دفعت للبنك اضعاف المبلغ الاصلي. البنوك تعشق "عملاء الحد الادنى" لانهم يمثلون تدفقا نقديا لا يتوقف.
"الرسوم المتوارية": كيف يتم سرقة مبالغ صغيرة من ملايين البشر؟
تعتمد ربحية القروض الشخصية والبطاقات على "النمل المالي"؛ وهي رسوم صغيرة تبدو غير ذات قيمة لكنها تجني المليارات عند تجميعها:
رسوم تجاوز الحد: بمجرد ان تتجاوز رصيدك بقرش واحد، تفرض عليك غرامة قد تصل الى ٣٠ دينارا.
رسوم السحب النقدي: السحب من البطاقة الائتمانية هو "انتحار مالي"؛ حيث تبدأ الفائدة بالاحتساب من الثانية الاولى وبنسبة اعلى من المشتريات، مضافا اليها عمولة سحب ثابتة.
فارق سعر الصرف: عند الشراء بعملة اجنبية، يضع البنك سعرا للصرف يختلف عن السعر العالمي، ويضيف عليه "عمولة تدبير عملة"، مما يجعل السلعة اغلى بنسبة ٥٪ الى ٧٪ دون ان تشعر.
"الفوائد المركبة": عندما يلد الدين دينا اخر
في القروض الشخصية، يتم احيانا استخدام نظام "الفائدة المضافة" (Flat Rate) بدلا من "المتناقصة" لايهام العميل بان الفائدة منخفضة. فمثلا، فائدة ٣٪ مضافة تعادل فعليا حوالي ٥.٥٪ متناقصة. هذا التلاعب بالمصطلحات يجعل المقترض يظن انه حصل على صفقة رابحة، بينما هو يغرق في تكلفة خفية.
والاخطر هو "غرامة التأخير" التي تضاف الى القسط المتأخر، ثم يتم احتساب فائدة على "القسط + الغرامة" في الشهر التالي. هذا ما يسمى "تربية الديون"، حيث ينمو الدين بشكل ذاتي حتى لو توقف العميل عن الشراء، وهو السبب الرئيس وراء انهيار العائلات ماليا عند وقوع اي ازمة طارئة.
سيكولوجيا "المال البارد": لماذا يسهل انفاق ما لا تملك؟
تدرك البنوك ان الدفع بالبطاقة او عبر الهاتف (Apple Pay / Google Pay) يقلل من "الالم النفسي" للانفاق. المال الورقي "ساخن" تشعر به وهو يغادر محفظتك، اما الائتمان فهو "بارد".
هذا الانفصال عن الواقع المالي يدفع المستهلك لشراء كماليات لا يحتاجها باموال لا يملكها، ليعجب اشخاصا لا يحبهم. شركات الائتمان هي "الراعي الرسمي" لثقافة الاستهلاك التي دمرت مفهوم "الادخار" لدى الجيل الحالي، وحولته الى جيل يعيش "من الراتب الى الراتب" مع مديونية تتجاوز قدرته على السداد في حال فقدان الوظيفة.
كيف تستعبد البنوك والمؤسسات الدولية مستقبل الدول والاجيال؟
في الدفعات السابقة، رأينا كيف يتم استعباد الفرد، ولكن الصورة الاكبر واكثر قتامة تظهر عندما ننظر الى "ديون الدول". ان النظام المالي العالمي مصمم بحيث تظل الدول النامية في حالة "تبعية دائمية" للمؤسسات المالية الدولية. هنا، لا يكون الهدف هو "السداد"، بل "السيطرة" على القرار الوطني والموارد الطبيعية مقابل فوائد الديون التي لا تنتهي.
هندسة "التبعية الدائمة": لماذا لا يراد للدول ان تسدد ديونها؟
الحقيقة التي لا تقال في نشرات الاخبار هي ان المؤسسات الدولية (مثل صندوق النقد والبنك الدولي) لا ترغب في رؤية دول "صفرية الديون". ان الدين هو "الحبل" الذي يتم عبره جر الدول لتبني سياسات اقتصادية معينة، مثل "الخصخصة القسرية" و"رفع الدعم عن السلع الاساسية".
هذه السياسات، التي تسمى "برامج التصحيح الهيكلي"، تهدف في جوهرها الى ضمان توفر السيولة لدى الدولة لسداد "فوائد القروض" اولا، حتى لو كان ذلك على حساب التعليم والصحة والامن الغذائي للمواطن. نحن امام نظام "جزية حديث" مغلف بمصطلحات اقتصادية براقة.
"القروض الاستعمارية": كيف يتم رهن موارد الاجيال القادمة؟
عندما تقترض الدولة مبالغ بمليارات الدولارات لمشاريع بنية تحتية قد لا تكون ذات جدوى اقتصادية عاجلة، فانها تضع "رهنا" على كاهل الاطفال الذين لم يولدوا بعد. هؤلاء الاطفال يولدون وهم مدينون لآلاف الدولارات لبنوك اجنبية.
هذا "الاستنزاف العابر للاجيال" يضمن بقاء الدولة في حلقة مفرغة من الاقتراض لسداد فوائد القروض القديمة. كشف التحقيق ان الكثير من هذه القروض تذهب لتمويل مشاريع تنفذها شركات تابعة للدول المقرضة نفسها، مما يعني ان المال يخرج من البنك ليعود لشركة اجنبية، بينما تظل "الديون" مسجلة على كاهل الشعب المحلي.
الخصخصة كـ "مصادرة شرعية" للثروات الوطنية
عندما تعجز الدولة عن سداد ديونها، تأتي المرحلة الاخيرة من "الافتراس المالي" وهي الخصخصة. يتم الضغط على الدولة لبيع مؤسساتها الناجحة (الاتصالات، الكهرباء، الموانئ، الفوسفات) لشركات عالمية او صناديق استثمارية اجنبية بأسعار بخسة.
هذه الاصول هي التي كانت تدر دخلا للدولة، وببيعها، تفقد الدولة قدرتها على تمويل نفسها مستقبلا، مما يضطرها لمزيد من الاقتراض. ان خروج الثروات الوطنية من ايدي الشعوب الى ايدي "النخب المالية العالمية" هو الهدف النهائي لبرامج الديون الدولية، وهو ما يحول الدولة من "كيان سيادي" الى "شركة تابعة" تدار من الخارج.
سيكولوجيا "الاستحقاق" مقابل "الاستعباد"
لقد نجح النظام المالي في اقناع الشعوب بان "الدين هو الحل الوحيد للتنمية". هذا الوهم يجعل المواطن يطالب حكومته بالاقتراض لتحسين معيشته، دون ان يدرك انه يطالب بوضع القيد حول عنقه.
ان استعادة "الاستقلال المالي للدول" تتطلب ارادة سياسية لقطع هذه الحلقة، والاعتماد على الموارد الذاتية، ومحاربة الفساد الذي يبتلع القروض. ان المعركة الحقيقية اليوم ليست عسكرية، بل هي معركة "موازنات" و"اسعار فائدة". فمن يملك دينك، يملك قرارك، ومن يملك قرارك، يملك مستقبلك.
كيف تكسر اصفاد المصارف وتستعيد ملكية حياتك؟
لقد كشفنا في الدفعات السابقة كيف يتم تصميم الديون لامتصاص جهدك، وكيف يتم التلاعب بالفوائد لرهن مستقبلك، وكيف تستخدم الديون السيادية لتركيع الدول. الخلاصة الصادمة هي: النظام البنكي لا يريدك ان تسدد دينك، بل يريدك ان تظل قادرا على دفع الفائدة فقط. فالمقترض الذي يسدد دينه هو "خسارة" في دفاتر البنك، اما المديون الابدي فهو "اصل مالي" يدر الربح.
استراتيجية "الخروج من النفق": كيف تحمي اموالك من النهب؟
النجاة من هذا النظام تتطلب "وعيا قتاليا" وتغييرا جذريا في السلوك المالي:
قاعدة "تصفير الائتمان": يجب معاملة البطاقات الائتمانية كـ "جمر نار". التخلص من هذه البطاقات او سداد كامل الرصيد شهريا هو الخطوة الاولى للتحرر. لا تسمح للبنك ابدا بتقاضي "فائدة مركبة" على استهلاكك اليومي.
بناء "حصن الطوارئ": البنك يراهن على وقوعك في ازمة (مرض، اصلاح سيارة) ليعرض عليك "قرضا شخصيا" سريعا. وجود مدخرات نقدية تغطي ٦ اشهر من مصاريفك هو الدرع الذي يحميك من الاضطرار للتوقيع على عقود العبودية الجديدة.
الاستثمار في الاصول المنتجة: بدلا من شراء "التزامات" (سيارات فارهة، اثاث بالتقسيط)، وجه سيولتك نحو اصول تضع المال في جيبك (ذهب، اسهم تدر توزيعات، عقار بدون رهن). تذكر ان كل قرش تدفعه كفائدة للبنك هو "ساعة عمل" ضاعت من عمرك ولن تعود.
كلمة الفصل: الحرية تبدأ من "لا"
ان النظام المالي يعيش على كلمة "نعم"؛ نعم للقرض، نعم للبطاقة، نعم للتأجيل. استعادة كرامتك المالية تبدأ من قول "لا" لثقافة الاستهلاك التفاخري التي تمولها البنوك. السيادة الحقيقية ليست في ما تملكه من مظاهر، بل في ما تملكه من "وقت" و"قرار" غير مرتهن لاشارة من موظف بنكي.
المراجع والدراسات
اولا: الدراسات العلمية والاقتصادية
دراسة "فخ الديون والنمو الاقتصادي" (صندوق النقد الدولي - اوراق بحثية): دراسة تحليلية اعترفت فيها بعض الكوادر البحثية بأن تجاوز الدين العام لنسبة ٩٠٪ من الناتج المحلي يؤدي الى "خنق" النمو وتوجيه كامل ثروة الشعوب لسداد الفوائد، مما يحول الدول الى كيانات "زومبي" اقتصادية تعيش فقط لخدمة الدائنين.
دراسة "سيكولوجيا الانفاق الائتماني" (Journal of Consumer Research): اثبتت تجارب سريرية ان الدماغ البشري لا يسجل "الالم المالي" عند استخدام البطاقات بنفس القوة التي يسجلها عند دفع النقد، مما يؤدي الى زيادة في الانفاق غير المبرر بنسبة تتراوح بين ٣٠٪ الى ٥٠٪، وهو ما تستغله المصارف في تصميم منتجاتها.
ثانيا: تصريحات الخبراء
الخبير المالي طلال ابو غزالة: في عدة لقاءات وتحليلات حول النظام العالمي، صرح بوضوح ان "العالم يتجه نحو ازمة مديونية غير مسبوقة، وان النظام البنكي الحالي القائم على خلق المال من العدم هو نظام غير مستدام، والحل الوحيد للدول والافراد هو العودة للاقتصاد الحقيقي والانتاج بعيدا عن وهم الاقتراض".
البروفيسور ريتشارد ويرنر (Richard Werner) - واضع مصطلح التيسير الكمي: اكد في ابحاثه وشهادته امام الجهات الرقابية ان "البنوك التجارية تخلق المال من لا شيء عندما تمنح القروض، وهي لا تقرض مدخرات الناس كما يعتقد العوام، وهذا النظام يؤدي الى تضخم اسعار الاصول (مثل العقارات) مما يجعل الطبقة الوسطى مديونة للابد من اجل الحصول على سكن اساسي".

