تتزايد حالات السكتة الدماغية بين الشباب بشكل ملحوظ في العقدين الأخيرين، وهو تحوّل غير متوقع عن الصورة التقليدية التي كانت تربط هذا المرض بكبار السن فقط. فقد أثبتت الدراسات الحديثة أن الأشخاص في الثلاثينيات والأربعينيات، وحتى المراهقين، لم يعودوا بمنأى عن خطر السكتة الدماغية. هذا الأمر يستدعي توعية كاملة، ليس فقط بالشباب أنفسهم، بل بالمجتمع ككل، حول العلامات التحذيرية، عوامل الخطر، وأهمية الوقاية المبكرة.
الإحصاءات العالمية حول السكتة الدماغية بين الشباب
تشير تقارير منظمة الصحة العالمية (WHO) إلى أن السكتة الدماغية تتسبب بحوالي 6 ملايين حالة وفاة سنويًا عالميًا، ويُقدّر أن نسبة الإصابة بين الشباب تتراوح بين 10–15% من إجمالي الحالات.
دراسة دولية شملت أكثر من 1.5 مليون شاب أظهرت أن عدد حالات السكتة الدماغية بين الأشخاص دون سن الأربعين ارتفع بنسبة 20% خلال العقد الماضي. ووجد الباحثون أن التغيرات في نمط الحياة الحديثة، مثل قلة النشاط البدني والإجهاد المزمن والتغذية غير الصحية، هي السبب الرئيسي وراء هذه الزيادة.
لماذا تحدث السكتة الدماغية لدى الشباب؟
1. العوامل التقليدية
حتى الشباب معرضون للعوامل التقليدية التي تؤثر على كبار السن:
ارتفاع ضغط الدم: يعتبر العامل الأكثر تأثيرًا، حيث يؤدي إلى تصلب الأوعية الدموية ويزيد خطر تجلط الدم.
داء السكري: يزيد من احتمال تلف الأوعية الدموية الدقيقة والكبيرة في الدماغ.
ارتفاع نسبة الكوليسترول: تراكم الدهون في الشرايين يؤدي إلى نقص تدفق الدم.
السمنة: تؤدي إلى زيادة الضغط على القلب والأوعية الدموية.
التدخين والإفراط في شرب الكحول: يسهمان في ضعف الأوعية الدموية وزيادة تجلط الدم.
قلة النشاط البدني: يؤدي إلى ضعف الدورة الدموية وزيادة احتمال الجلطات.
2. العوامل غير التقليدية
في السنوات الأخيرة، ظهرت عوامل جديدة تلعب دورًا كبيرًا في السكتة الدماغية لدى الشباب:
الإجهاد المزمن: يزيد مستويات هرمون الكورتيزول ويؤثر على ضغط الدم والأوعية الدموية.
اضطرابات النوم: مثل انقطاع النفس أثناء النوم، تقلل الأكسجين الدماغي وتزيد خطر تجلط الدم.
الصداع النصفي (Migraine): خاصة المصحوب بالهالة، مرتبط بزيادة خطر السكتة الدماغية.
الاكتئاب والقلق المزمن: قد يؤديان إلى سلوكيات خطرة مثل التدخين المفرط أو شرب الكحول.
التعرض للتلوث البيئي: الجسيمات الدقيقة والملوثات الهوائية تسبب التهاب الأوعية الدموية.
تعاطي المخدرات والمنشطات: الكوكايين والأمفيتامينات يمكن أن تؤدي إلى ارتفاع ضغط الدم الحاد وتلف الأوعية الدموية.
للأسف، يظن العديد من الشباب أنهم "صغار جدًا" للإصابة بالسكتة الدماغية، ما يؤدي إلى تأخر التشخيص وتفاقم النتائج.
العلامات التحذيرية للسكتة الدماغية
قد تكون الأعراض لدى الشباب خفيفة أو مؤقتة، ما يجعل التعرف عليها صعبًا، لكن تجاهلها قد يكون خطيرًا. أهم العلامات:
خدر أو ضعف مفاجئ: عادة في جانب واحد من الجسم، ويظهر على شكل تدلي الفم أو صعوبة رفع الذراع أو الساق.
صعوبة في الكلام: كلام غير واضح، صعوبة في التعبير أو فهم المحادثات.
مشاكل الرؤية: فقدان الرؤية المفاجئ، رؤية مزدوجة، أو فقدان مؤقت للرؤية في عين واحدة أو كلتيهما.
صداع شديد ومفاجئ: بدون سبب واضح، مصحوب أحيانًا بالقيء أو الدوار.
مشاكل التوازن والتنسيق: صعوبة المشي، فقدان التوازن، أو الشعور بالدوار المفاجئ.
حتى الأعراض المؤقتة أو الخفيفة يجب التعامل معها على محمل الجد.
BEFAST: الاختصار الذي يمكن أن ينقذ حياتك
اختصار BEFAST هو أداة تعليمية تساعد على التعرف السريع على السكتة الدماغية والتصرف السليم:
B – Balance: فقدان التوازن المفاجئ.
E – Eyes: فقدان الرؤية المفاجئ أو عدم وضوحها.
F – Face: ترهل الوجه أو عدم التناسق عند الابتسامة.
A – Arms: ضعف مفاجئ في الذراع أو الساق.
S – Speech: صعوبة في الكلام أو عدم وضوحه.
T – Time: ملاحظة الوقت وطلب المساعدة الطارئة فورًا.
الوصول إلى المستشفى خلال "الساعة الذهبية" قد يحدث فرقًا بين التعافي الكامل والإعاقة الدائمة.
الوقاية: كيف تقلل من خطر الإصابة بالسكتة الدماغية؟
الوقاية أفضل من العلاج، خاصة بين الشباب. أهم استراتيجيات الوقاية:
1. التغذية الصحية
التركيز على الخضروات والفواكه والحبوب الكاملة.
تناول الأسماك الدهنية مثل السلمون لتقوية القلب والأوعية الدموية.
الحد من الملح والدهون المشبعة والسكريات.
تناول المكسرات والبذور باعتدال لتقليل الالتهابات.
2. النشاط البدني
ممارسة 150 دقيقة على الأقل أسبوعيًا من النشاط المعتدل، مثل المشي السريع أو ركوب الدراجة.
الأنشطة الهوائية تساعد على تحسين وظائف القلب والدورة الدموية وتقليل ضغط الدم.
تمارين القوة واليوغا مفيدة أيضًا للحفاظ على التوازن والتقليل من التوتر.
3. إدارة الوزن
الحفاظ على وزن صحي يقلل الضغط على القلب والأوعية الدموية.
السمنة تزيد من احتمالية ارتفاع ضغط الدم والكوليسترول.
4. التحكم بالعادات الضارة
الإقلاع عن التدخين يحمي الأوعية الدموية ويقلل الجلطات.
الحد من الكحوليات لتجنب ارتفاع ضغط الدم وأمراض الكبد والقلب.
5. النوم وإدارة الإجهاد
الحصول على 7–9 ساعات نوم يوميًا.
استخدام تقنيات الاسترخاء والتأمل والتنفس العميق للحد من التوتر النفسي.
6. التحكم بالأمراض المزمنة
مراقبة ضغط الدم والسكري والكوليسترول بانتظام.
اتباع الأدوية الموصوفة من الطبيب بدقة.
قصص حقيقية: الشباب والسكتة الدماغية
حالة شاب 32 عامًا: كان يعاني صداعًا نصفيًا وإرهاقًا مستمرًا، تجاهل الأعراض حتى أصيب بفقدان مؤقت للنطق وضعف في ذراعه اليسرى، وتم نقله للطوارئ في الوقت المناسب لتلقي العلاج.
حالة فتاة 28 عامًا: تعرضت لفقدان التوازن المفاجئ ورؤية مزدوجة بعد سهر طويل وتوتر شديد في العمل، مما كشف عن جلطة دماغية صغيرة وتم علاجها قبل تفاقم الضرر.
هذه الحالات تؤكد أن الوعي المبكر والتصرف السريع يمكن أن ينقذ الحياة ويحمي من الإعاقة.
التوصيات العملية للروتين اليومي للشباب
ابدأ يومك بالماء أو عصير الشمندر أو ماء الأملا لدعم صحة القلب والأوعية الدموية.
مارس 20–30 دقيقة نشاط بدني يوميًا، مثل المشي أو ركوب الدراجة.
تجنب الإفراط في الكافيين أو مشروبات الطاقة التي قد ترفع ضغط الدم مؤقتًا.
تناول وجبات صغيرة ومتوازنة وقلّل السكريات والملح.
خذ استراحة من الشاشات والأجهزة الإلكترونية كل ساعة لتقليل الإجهاد.
راقب علامات التوتر والإرهاق، واعتمد تقنيات التنفس أو التأمل.
قم بفحوصات طبية دورية لمراقبة ضغط الدم، نسبة السكر، والكوليسترول.
الخلاصة
السكتة الدماغية ليست حكراً على كبار السن، والشباب اليوم معرضون لها بسبب تغيرات نمط الحياة وعوامل الخطر التقليدية وغير التقليدية. التعرّف المبكر على العلامات التحذيرية، التدخل السريع باستخدام BEFAST، والالتزام بنمط حياة صحي، يمكن أن يقلل بشكل كبير من مخاطر الإصابة.
كما يؤكد الدكتور شيفا كومار ر، رئيس واستشاري أول طب الأعصاب في مستشفى مانيبال: "الوعي المبكر واتخاذ خطوات وقائية يومية هو الطريق الأكثر فعالية للوقاية من السكتة الدماغية، خاصة بين الشباب الذين يظنون أنفسهم بعيدين عن الخطر".











