تدحض أبحاث جديدة الاعتقاد الشائع بأن الشباب يمثل ذروة القدرات العقلية للإنسان، وتكشف أن الدماغ قد يصل إلى أفضل أداء له في مراحل متأخرة من الحياة. فقد أظهرت دراسة نُشرت في مجلة "إنتيليجنس" أن القدرات العقلية والعاطفية الأساسية، بما في ذلك القدرة على الحكم والتفكير المنطقي والاستقرار العاطفي، تستمر في التحسن حتى منتصف العمر وما بعده.
قاد الدراسة جيل إي. جينياك، الأستاذ المشارك في علم النفس بجامعة غرب أستراليا، وركز على السمات النفسية القابلة للقياس التي تؤثر على الأداء في الحياة الواقعية، مثل القدرات المعرفية الأساسية، وسرعة المعالجة، وسعة الذاكرة، والمعرفة، والذكاء العاطفي. كما شمل البحث خمس سمات شخصية رئيسية: الانبساط، والاستقرار العاطفي، والضمير الحي، والانفتاح على التجارب، والقبول.
وأظهرت النتائج أن العديد من هذه السمات تبلغ ذروتها في مرحلة لاحقة من العمر. على سبيل المثال، يبلغ الوعي الضميري ذروته عادةً في سن الخامسة والستين، بينما قد يصل الاستقرار العاطفي إلى أقصى مستوياته في سن الخامسة والسبعين تقريبًا.
الحكمة والتفكير الأخلاقي يستمران في النمو
تستمر بعض الجوانب العقلية، مثل التفكير الأخلاقي والقدرة على مقاومة التحيزات المعرفية، في التحسن حتى السبعينيات والثمانينيات. وتوضح الدراسة أن هذه المكاسب تساعد كبار السن على اتخاذ قرارات أكثر حكمة وتطوير منظور أوسع، وهو أمر حيوي في المناصب القيادية.
وقال جينياك: “قد تفسر نتائجنا سبب تولي الأشخاص في الخمسينيات وأوائل الستينيات العديد من المناصب القيادية المهمة في الأعمال والسياسة والحياة العامة”. وأضاف: “حتى لو تراجعت بعض القدرات العقلية مثل سرعة المعالجة، فإن مكاسب الحكم واتخاذ القرار تعوض هذه الخسائر”.
التمييز العمري لا يزال قائمًا في سوق العمل
رغم هذه الأدلة الإيجابية، يواجه كبار السن عوائق كبيرة في التوظيف. فالقانون الأميركي لحماية الأفراد الذين تبلغ أعمارهم 40 عامًا فأكثر من التمييز الوظيفي، والمعروف باسم قانون التمييز على أساس السن في التوظيف لعام 1967، لم يمنع انتشار الظاهرة. وأظهرت دراسة استقصائية أجرتها منصة ريزوم ناو أن حوالي 90% من الموظفين الذين تزيد أعمارهم عن 40 عامًا تعرضوا للتمييز في العمل، بينما أفاد نصفهم أن أصحاب العمل يفضلون توظيف الأشخاص الأصغر سنًا.
بعض الوظائف، مثل الطيارين ومراقبي الحركة الجوية، تفرض سن التقاعد الإلزامي عند 65 عامًا أو أقل، بسبب متطلبات الذاكرة والتركيز الحاد.
أكد جينياك على أن العمر لا يجب أن يكون المقياس الوحيد للقدرة المعرفية، مشيرًا إلى أهمية تقييم الأداء الفردي مباشرة بدلًا من الاعتماد على افتراضات عمرية. وأشار إلى أن النتائج تشجع على ممارسات توظيف أكثر شمولاً، تراعي الكفاءة والخبرة بدلًا من التركيز على العمر وحده.
تاريخيًا، حقق العديد من الأشخاص أعظم إنجازاتهم بعد ما يُطلق عليه عادة "سن الذروة". وربما حان الوقت لإعادة النظر، واعتبار منتصف العمر مرحلة انطلاق حقيقية للقدرات العقلية والحكم السليم.











