السكري من اكثر الامراض المزمنة انتشارا في العالم ويعد من اخطر الاضطرابات التي تصيب الانسان بصمت في بدايته، فهو لا يظهر فجأة بل يتسلل تدريجيا داخل الجسم ليؤثر على كل خلية فيه، ويمثل ارتفاع السكر في الدم مؤشرا رئيسيا على خلل في قدرة الجسم على التعامل مع الجلوكوز بشكل طبيعي.
وقال الدكتور ناصر العبادي استشاري الغدد الصماء والباطنية ان السكري بنوعيه الاول والثاني اصبح من التحديات الصحية الكبرى في المجتمعات الحديثة بسبب نمط الحياة السريع وقلة الحركة والاعتماد على الاطعمة المصنعة، مبينا ان نصف المصابين لا يعلمون انهم يحملون المرض الا بعد ظهور مضاعفات متقدمة.
واكدت دراسة عالمية نشرتها منظمة الصحة في جنيف عام 2025 ان نحو 11 بالمئة من البالغين حول العالم يعانون من السكري دون تشخيص رسمي، مشيرة الى ان الكشف المبكر من خلال ملاحظة العلامات الاولى للمرض يسهم في تقليل خطر المضاعفات بنسبة تفوق 70 بالمئة خلال السنوات اللاحقة.
العطش المفرط وكثرة التبول
وقال الدكتور رائد الخزاعلة اختصاصي الباطنية والغدد ان العطش المستمر من ابرز العلامات المبكرة التي يجب عدم تجاهلها، فارتفاع السكر يجعل الكلى تعمل بشكل مضاعف لطرد الجلوكوز الزائد عبر البول مما يؤدي الى فقدان كميات كبيرة من الماء والاملاح الحيوية.
واشار الى ان المريض في هذه المرحلة يشعر بحاجة متكررة للذهاب الى الحمام خصوصا في الليل، مع جفاف دائم في الفم ورغبة شديدة في شرب الماء، موضحا ان هذه الحالة لا ترتبط بدرجة الحرارة او النشاط البدني بل تكون ناتجة عن ارتفاع تركيز السكر في الدم.
وبينت دراسة اجرتها جامعة شيكاغو عام 2024 ان الاشخاص الذين يعانون من التبول الليلي المتكرر لاكثر من خمس مرات قد يكون لديهم احتمال مرتفع لوجود اضطراب في مستوى الجلوكوز حتى لو لم يتم تشخيصهم بالسكري بعد، مؤكدة ان الفحص الدوري ضروري في هذه الحالات.
فقدان الوزن المفاجئ
واكدت الطبيبة الاردنية الدكتورة ليلى خضير اختصاصية التغذية العلاجية ان خسارة الوزن غير المبررة تعد من العلامات التي تستوجب الانتباه، فالجسم حين لا يجد الانسولين الكافي لاستخدام السكر كمصدر للطاقة يبدأ في تكسير الدهون والعضلات لتعويض النقص.
وقالت ان المريض في هذه المرحلة قد يلاحظ انخفاضا واضحا في الوزن خلال اسابيع رغم انه لم يغير نظامه الغذائي، موضحة ان ذلك يحدث عادة في النوع الاول من السكري لكنه قد يظهر ايضا في النوع الثاني عند ضعف افراز الانسولين او مقاومته في الخلايا.
وبينت دراسة من جامعة اوكسفورد ان الاشخاص الذين فقدوا اكثر من خمسة كيلوغرامات خلال شهرين دون سبب واضح تبين لاحقا ان 40 بالمئة منهم كانوا في مرحلة ما قبل السكري، مشددة على ضرورة اجراء فحص سكر الدم التراكمي بمجرد ملاحظة هذا العرض.
الجوع الشديد رغم الاكل
وقال الدكتور ناصر العبادي ان الشعور بالجوع المفرط من العلامات التي ترافق ارتفاع السكر في الدم، فالجسم رغم امتلاء المعدة لا يستطيع استخدام الجلوكوز داخل الخلايا بشكل فعال بسبب نقص الانسولين، مما يرسل اشارات خاطئة للدماغ تدفع الشخص لتناول المزيد من الطعام.
واكد ان هذا النوع من الجوع يكون مختلفا عن الجوع الطبيعي، اذ يشعر المريض بان طاقته تنخفض فجاة ثم تعود بعد تناول الطعام، وغالبا ما يصاحبه تعب ودوار خفيف بسبب تذبذب مستوى السكر داخل الدم، مضيفا ان تكرار هذه الحالة يستدعي مراجعة الطبيب.
ونشرت مجلة نيوانغلاند الطبية عام 2025 دراسة اكدت فيها ان ثلث حالات السكري المكتشفة حديثا كانت مصحوبة بشعور دائم بالجوع والتعب رغم تناول وجبات منتظمة، ما يشير الى ان هذا العرض احد المؤشرات المبكرة التي يمكن ملاحظتها بسهولة في المراحل الاولى.
التعب والارهاق المستمر
وبينت الطبيبة ليلى خضير ان الارهاق المزمن وعدم القدرة على التركيز من العلامات التي ترافق بداية اضطراب السكر، فالجلوكوز هو الوقود الاساسي للخلايا وعندما لا يتم امتصاصه بشكل صحيح يشعر الانسان بالتعب حتى بعد نوم كاف او راحة طويلة.
وقالت ان هذه الحالة تزداد سوءا في ساعات الصباح حيث يكون مستوى السكر مرتفعا، كما يلاحظ المريض ضعف الانتباه وصعوبة في القيام بالمهام اليومية البسيطة، مضيفة ان مراجعة الطبيب في هذه المرحلة قد تمنع تطور الحالة الى سكري فعلي.
واكدت دراسة لجامعة مدريد ان 65 بالمئة من الاشخاص الذين ابلغوا عن ارهاق مستمر دون سبب عضوي تبين لاحقا انهم في مرحلة ما قبل السكري، موضحة ان قياس السكر الصباحي بعد الصيام يعتبر اختبارا حاسما للكشف المبكر وتجنب المضاعفات الخطيرة.
تشوش الرؤية وضعف النظر
وقال الدكتور رائد الخزاعلة ان العين من اكثر الاعضاء التي تتأثر مبكرا بارتفاع السكر، فزيادة الجلوكوز في الدم تسبب تغيرات في السوائل داخل عدسة العين ما يؤدي الى ضبابية مؤقتة في الرؤية، واحيانا صعوبة في التركيز على التفاصيل الدقيقة.
واشار الى ان هذا العرض غالبا ما يكون متقطعا في البداية ثم يزداد مع ارتفاع مستويات السكر، وقد يتحسن مؤقتا عند ضبطه ثم يعود مجددا، موضحا ان تجاهله قد يؤدي لاحقا الى تلف في شبكية العين اذا لم تتم السيطرة على المرض بشكل جيد.
واكدت دراسة صادرة عن مركز البحوث البصرية في تورنتو ان 80 بالمئة من مرضى السكري يعانون من مشاكل في النظر بدرجات متفاوتة خلال السنوات الاولى، داعية الى اجراء فحص بصري سنوي لكل من لديه تاريخ عائلي او اعراض مشابهة.
جروح الجسم البطيئة الالتئام
وقال الدكتور رائد الخزاعلة اختصاصي الباطنية والغدد ان التأخر في التئام الجروح من العلامات المبكرة التي غالبا ما يغفلها المرضى، فارتفاع السكر في الدم يضعف قدرة الجسم على إنتاج الانزيمات والبروتينات اللازمة للشفاء، ويؤثر على الدورة الدموية الدقيقة، مما يجعل الجروح والخدوش تستغرق وقتا اطول للالتئام.
وأكدت دراسة نشرتها جامعة هارفارد عام 2025 ان الاشخاص الذين لاحظوا تأخرا في التئام الجروح لديهم احتمال اعلى بنسبة 35 بالمئة لوجود اضطراب في السكر، مشيرة الى ان فحص السكر بعد الصيام والفحص التراكمي يمكن ان يكشف عن المرض في هذه المرحلة المبكرة.
ونوهت الدكتورة ليلى خضير اختصاصية التغذية العلاجية الى ان الاهتمام بالنظافة والرعاية الفورية للجروح مع مراقبة مستويات السكر يساعد على منع الاصابة بالعدوى وتقليل خطر المضاعفات، كما انه يعطي اشارة مبكرة للمرض قبل ظهور اعراض اخرى اكثر وضوحا.
تغييرات الجلد
وقال الدكتور ناصر العبادي استشاري الغدد الصماء والباطنية ان السكري يسبب احيانا تغيرات واضحة في الجلد مثل جفافه الشديد، الحكة المستمرة، وظهور بقع داكنة في مناطق الرقبة وتحت الابطين، وهذه التغيرات تحدث نتيجة تراكم السكر في الدم الذي يؤثر على الدورة الدموية ويضعف وظائف الجلد الطبيعية.
وأكدت دراسة من جامعة كامبريدج ان نحو 30 بالمئة من الاشخاص الذين يعانون من السكري المبكر يلاحظون تغيرات جلدية قبل تشخيص المرض، موضحة ان هذه العلامات يمكن ان تكون مؤشرا مهما للكشف المبكر وتجنب المضاعفات الخطيرة.
وبينت الطبيبة ليلى خضير ان ترطيب البشرة يوميا وتناول الاطعمة الغنية بالماء والفيتامينات مثل الخيار والفلفل الملون والبرتقال يساعد على تقليل تأثير السكري على الجلد، كما يشجع على المراجعة المبكرة للطبيب عند ظهور اي تغيرات غير طبيعية.
التنميل والخدر في الاطراف
وقال الدكتور رائد الخزاعلة ان الشعور بالتنميل او الخدر في اليدين والقدمين من العلامات المبكرة التي تشير الى تأثر الاعصاب الطرفية بالسكر، فارتفاعه المزمن يضعف الدورة الدموية الدقيقة ويؤثر على نقل الاشارات العصبية مما يسبب الاحساس بالخدر والحرقة في الاطراف.
واكدت دراسة اجرتها جامعة مدريد عام 2024 ان نحو 25 بالمئة من الاشخاص في مرحلة ما قبل السكري يشتكون من تنميل متقطع في القدمين او اليدين، مشيرة الى ان الكشف المبكر والعلاج المباشر يقللان من تطور التهاب الاعصاب السكري ويمنعان المضاعفات طويلة المدى.
ونوه الدكتور ناصر العبادي الى ان ممارسة تمارين التمدد اليومية والمشي بانتظام تساعد على تنشيط الدورة الدموية الطرفية، كما ان مراقبة مستوى السكر باستمرار تحمي الاعصاب وتقلل من فرص الشعور بالتنميل والخدر.
تغيرات المزاج والقدرة على التركيز
وقال الدكتور سامر الخطيب اختصاصي الغدد الصماء ان ارتفاع السكر المتكرر يؤثر على وظائف الدماغ ويؤدي الى تغيرات مزاجية مثل العصبية المفاجئة، القلق، وفقدان التركيز، وهذه العلامات غالبا ما يتم تجاهلها لانها قد تشبه الضغط النفسي العادي.
وأكدت دراسة نشرتها جامعة ستانفورد عام 2025 ان الاشخاص الذين يعانون من تغيرات المزاج المفاجئة لديهم احتمال اعلى لوجود اضطراب في السكر، مشيرة الى ان هذه التغيرات قد تكون مؤشرا على بداية السكري ويجب اجراء فحص دم للتأكد.
وبينت الدكتورة ليلى خضير ان الحفاظ على نظام غذائي متوازن، النوم المنتظم، وممارسة النشاط البدني يساهم في استقرار المزاج وتحسين القدرة على التركيز، كما يساعد على ضبط مستويات السكر ومنع ظهور هذه الاعراض العصبية المبكرة.
الوقاية اليومية من السكري
وقال الدكتور رائد الخزاعلة ان الوقاية من السكري تبدأ من اتخاذ خطوات بسيطة يوميا، فممارسة المشي نصف ساعة يوميا، الابتعاد عن الاطعمة السريعة، وتناول وجبات منتظمة يساهم في ضبط مستوى السكر، كما ان الترطيب المستمر للجسم والحفاظ على وزن صحي يقللان من خطر الاصابة بنسبة كبيرة.
وأكدت دراسة نشرتها جامعة هارفارد عام 2024 ان الاعتماد على نظام غذائي متوازن يحتوي على الخضار الورقية، الحبوب الكاملة، والبروتين النباتي يقلل من احتمال الاصابة بالسكري بنسبة تتراوح بين 25 و35 بالمئة، مشيرة الى ان النظام الصحي هو الاداة الاقوى للوقاية قبل الاعراض المبكرة.
ونوه الدكتور سامر الخطيب الى ان تقسيم الوجبات الى خمس وجبات صغيرة بدلا من ثلاث كبيرة يساعد الجسم على الحفاظ على مستوى السكر مستقرا طوال اليوم، كما ان الحد من تناول المشروبات الغازية والمحلاة يقلل من الضغط على البنكرياس ويزيد كفاءة افراز الانسولين الطبيعي.
التغذية الصحية واثرها على ضبط السكر
وقال الدكتور ناصر العبادي ان الخضار والفواكه الطازجة مثل التفاح، الكمثرى، والتوت تساعد على تحسين حساسية الانسولين وتقليل السكر بعد الوجبات، مضيفا ان البقوليات مثل العدس والفاصولياء تبطئ امتصاص الجلوكوز وتمنع ارتفاعه المفاجئ بعد الاكل.
وأكدت دراسة صادرة عن جامعة اوكسفورد ان تناول الاطعمة الغنية بالالياف يساهم في خفض مستويات السكر بنسبة تصل الى 15 بالمئة خلال اسابيع قليلة، مشيرة الى ان استبدال النشويات المكررة بالحبوب الكاملة يمنح الجسم قدرة افضل على التحكم بالسكر وتحقيق الوقاية الطويلة الامد.
وبينت الدكتورة ليلى خضير ان المكسرات النيئة مثل اللوز والجوز تساعد على خفض السكر وتوازن الدهون، موضحة ان دمج حفنة يوميا مع وجبة الافطار او الوجبات الخفيفة يمنح نتائج ملموسة في ضبط الوزن وتحسين استجابة الجسم للانزولين.
النشاط البدني ودوره في الوقاية
وقال الدكتور رائد الخزاعلة ان النشاط البدني المنتظم يحسن حساسية الانسولين ويقلل مقاومة الجسم للسكر، مؤكدا ان المشي السريع، السباحة، وركوب الدراجة ثلاثة الى خمس مرات اسبوعيا تحافظ على مستوى السكر ضمن الحدود الطبيعية وتقلل من خطر الاصابة بالسكري بشكل كبير.
واكدت دراسة جامعة ستانفورد ان الاشخاص الذين يمارسون الرياضة بشكل منتظم لديهم انخفاض واضح في الدهون الثلاثية والكوليسترول الضار، ما يعزز فعالية الوقاية من السكري ويحمي من مضاعفاته القلبية الوعائية، مشيرة الى ان الانتظام هو العامل الاهم وليس شدة التمرين فقط.
ونوه الدكتور سامر الخطيب الى ان ممارسة تمارين المقاومة الخفيفة مع تمارين القلب يساعد على تحسين توزيع السكر في الدم، كما ان الحركة اليومية مثل صعود الدرج والمشي اثناء المكالمات الهاتفية تساهم بشكل كبير في الوقاية حتى دون تمارين مكثفة.
النوم وإدارة التوتر
وقال الدكتور ناصر العبادي ان النوم المنتظم لمدة سبع الى ثماني ساعات يوميا يحافظ على افراز الانسولين ويقلل التوتر الذي يؤدي الى ارتفاع السكر، موضحا ان السهر المزمن او اضطراب النوم يزيد مقاومة الجسم للانزولين ويعزز الاصابة بالسكري على المدى الطويل.
وأكدت دراسة نشرتها جامعة كامبريدج ان الاشخاص الذين يعانون من مستويات توتر عالية معرضون لارتفاع السكر بنسبة 20 بالمئة اكثر من غيرهم، مشيرة الى ان تمارين التنفس العميق، التأمل، والرياضة اليومية تساعد على استقرار السكر وتقليل الارهاق النفسي.
ونوهت الدكتورة ليلى خضير الى ان التوازن النفسي والحد من القلق اليومي يساهم في ضبط الشهية ايضا، فارتفاع التوتر يؤدي الى الافراط في تناول السكريات والاطعمة المعالجة، بينما السيطرة على التوتر تدعم نمط حياة صحي وتحقق الوقاية من بداية المرض.
نصائح عملية للسيطرة على المرض قبل تطوره
وقال الدكتور رائد الخزاعلة ان فحص السكر الدوري بعد الصيام وفحص السكر التراكمي يجب ان يكون جزءا من الروتين الصحي، فهو يكشف عن التغيرات المبكرة قبل ظهور الاعراض، مضيفا ان رصد هذه القيم يمكن ان يمنع الاصابة بالسكري الكامل ويقلل مضاعفات القلب والكلى والعين.
وأكدت دراسة نشرتها مجلة الجمعية الامريكية للغدد الصماء عام 2025 ان المتابعة المنتظمة للسكر والتزام نمط الحياة الصحي يقلل بنسبة تتراوح بين 40 و50 بالمئة من خطر تطور السكري النوع الثاني عند الاشخاص المعرضين، مشيرة الى ان النتائج المثالية تأتي من دمج الغذاء الصحي والنشاط البدني والنوم المنتظم.
ونوه الدكتور سامر الخطيب الى ان التحفيز الذاتي والمراجعة الدورية مع اختصاصي الغدد والتغذية يضمنان استمرار الوقاية، موضحا ان اتباع هذه النصائح يضمن ضبط مستوى السكر على المدى الطويل ويجعل الجسم اكثر مقاومة لأي تغيرات مفاجئة في النظام الغذائي او النشاط اليومي.











