2026-01-15 - الخميس

سوق العقارات العربي 2026: هل تشتري "جدراناً" أم تشتري ديوناً أبدية؟.. كشف المستور في عالم التمليك

في عالم التمليك لسنوات طويلة، ظل العقار في العقل الجمعي العربي هو "الابن البار" والملاذ الآمن للادخار. لكن في عام 2026، ومع تغير الخارطة الديموغرافية وارتفاع الفوائد البنكية لمستويات تاريخية، بدأ هذا "الابن البار" يظهر ملامح "العقوق المالي". 

نحن اليوم أمام مشهد عقاري معقد في عواصم مثل الرياض، عمان، والقاهرة؛ حيث ترتفع أسعار الشقق السكنية بشكل جنوني بينما تظل الرواتب تراوح مكانها، مما يطرح السؤال الجوهري: هل امتلاك منزل في 2026 هو قرار استثماري حكيم، أم أنه مجرد "قيد مالي" سيجعلك تعيش مديوناً لنصف قرن؟

أولاً: لغة الأرقام.. فقاعة أم تصحيح سعري؟

الأرقام الميدانية المسجلة في الربع الأول من 2026 تشير إلى ظاهرة غريبة؛ فبالرغم من الركود الاقتصادي النسبي، إلا أن أسعار العقارات في "المناطق المخدومة" زادت بنسبة تتراوح بين 20% إلى 35% [حسب السوق المحلي].

فخ الفائدة: الاقتراض السكني في 2026 أصبح مكلفاً جداً. إذا اقترضت مبلغاً لشراء شقة بـ 100 ألف دولار بفائدة مركبة، ستجد نفسك في نهاية الـ 20 عاماً قد دفعت للبنك ما يقارب 180 إلى 210 آلاف دولار. هنا أنت لا تملك عقاراً، بل البنك هو من يملك "جهدك وعمرك" مقابل جدران تتآكل قيمتها الفنية مع الزمن.

العائد الإيجاري الهزيل: في معظم المدن العربية، لا يتجاوز العائد السنوي من تأجير العقار نسبة 4% إلى 6%. وإذا طرحت منها تكاليف الصيانة، الضرائب، وفترات الشغور، ستجد أن وضع أموالك في "سبائك ذهب" أو "صناديق استثمارية" كان سيمنحك عائداً أكبر بضعفين دون وجع رأس المستأجرين.

ثانياً: النقد المباشر.. لماذا يصر الوسطاء على "البيع"؟

خلف كل "لافتة بيع" أو "إعلان ممول" على فيسبوك، هناك جيش من الوسطاء والمطورين العقاريين الذين يعيشون على إقناعك بأن "العقار لا يموت".

خديعة الأمان: يروجون لفكرة أن العقار أمان للمستقبل، لكنهم لا يخبرونك عن "ضريبة السيولة". إذا احتجت للمال غداً في ظرف طارئ، لن تستطيع بيع "غرفة الضيوف"؛ العقار أصل ثقيل الحركة، وفي زمن الأزمات، السيولة (Cash) هي الملك، والعقار قد يتحول إلى "عبء ضريبي" يصعب التخلص منه إلا بخسارة.

الوهم الجمالي: المجمعات السكنية الحديثة (Compounds) تقدم لك حياة الرفاهية في الإعلانات، لكنها في الواقع تفرض عليك "مصاريف خدمات" شهرية تلتهم جزءاً كبيراً من دخلك، مما يجعل تكلفة المعيشة فيها غير مستدامة للطبقة الوسطى على المدى البعيد.

ثالثاً: التحولات الكبرى.. العقارات "المجهرية" هي المستقبل

في 2026، وبسبب غلاء المعيشة، بدأ مفهوم "المساحات الضخمة" ينهار. التوجه الجديد الذي يجب أن تنتبه له كمستثمر هو:

الشقق الفندقية الصغيرة (Studios): الطلب عليها في تزايد مستمر بسبب سهولة تأجيرها عبر منصات مثل Airbnb ولأن تكلفتها التشغيلية منخفضة.

العقارات التجارية الإدارية: مع تحول الكثير من الأعمال للرقمنة، أصبح الطلب على "المساحات المكتبية المشتركة" أعلى بكثير من المكاتب التقليدية الضخمة.

عقارات الضواحي: بفضل العمل عن بعد، بدأ الناس يهربون من ضجيج وغلاء مراكز المدن إلى الأطراف، وهو ما يجعل الاستثمار في "أراضي الضواحي" حالياً هو "المنجم" الحقيقي القادم.

المراجع والدراسات العلمية المعتمدة (E-E-A-T)

دراسات وتقارير دولية:

تقرير صندوق النقد الدولي (IMF) حول قطاع الإسكان: حذر التقرير الصادر في نهاية 2025 من "عدم التوازن" في أسواق العقارات بالشرق الأوسط، مشيراً إلى أن فجوة الأسعار بين العرض والطلب وصلت لمستويات خطيرة قد تؤدي لركود عقاري طويل الأمد إذا لم يتم خفض الفوائد البنكية.

دراسة "نايت فرانك" (Knight Frank) للأسواق العالمية: أكدت الدراسة أن العقارات في المدن الناشئة بالمنطقة العربية أصبحت "أصولاً مبالغاً في قيمتها" بنسبة تتراوح بين 15-20% مقارنة بدخل الفرد، مما يجعل الاستثمار فيها حالياً يحمل مخاطرة عالية للمشترين الجدد.

آراء الخبراء والمحللين العقاريين:

المستشار العقاري م. وائل الشريف: "لا تشترِ عقاراً في 2026 إذا كان القسط البنكي يتجاوز 30% من دخلك. أنت بذلك ترهن حريتك الشخصية. القاعدة الآن هي: استأجر حيث تسكن، واستثمر أموالك في أصول تدر لك ربحاً يغطي إيجارك ويزيد".

د. منى جلال (خبيرة التمويل والاستثمار): "العقار في العصر الرقمي لم يعد جدراناً فقط. المستثمر الذكي هو من يبحث عن العقار الذي يمكن تحويله لخدمة (Service) مثل الشقق المفروشة أو مساحات العمل، أما شراء شقة وتركها مغلقة بانتظار 'ارتفاع السعر' فهو استراتيجية قديمة أكل عليها الدهر وشرب".

الخلاصة للعملية:

قبل أن توقع على عقد تمويل عقاري لمدة 20 عاماً، احسبها بالورقة والقلم. هل تشتري بيتاً لتسكن فيه براحة، أم تشتري "هماً مالياً" سيحرمك من السفر وتطوير ذاتك والاستمتاع بحياتك؟ في 2026، المرونة المالية أهم بكثير من تملك الطوب والأسمنت.