تشير التقديرات الصحية الحديثة الى ان مقاومة الانسولين لم تعد مجرد اضطراب عابر، بل تحولت الى "وباء خفي" يسبق الاصابة بالسكري من النوع الثاني بنحو عقد من الزمان. في المجتمعات العربية، وبسبب التغيرات الحادة في النمط الغذائي، اصبح هذا الاختلال الهرموني هو المحرك الرئيسي وراء فشل برامج خسارة الوزن التقليدية، مما يضع علامات استفهام كبرى حول جدوى النصائح الطبية الكلاسيكية التي تركز على السعرات وتتجاهل كيمياء الجسم.
تشريح الازمة: كيف تتحول الخلايا الى حصون مغلقة؟
من الناحية الفسيولوجية، تبدأ المقاومة عندما تفشل مستقبلات الانسولين على سطح الخلايا في الاستجابة لهذا الهرمون الحيوي. هذا الفشل يجبر البنكرياس على ضخ كميات هائلة من الانسولين للحفاظ على مستويات سكر الدم ضمن الحدود الطبيعية. النتيجة هي حالة من "فرط انسولين الدم" التي تؤدي مباشرة الى تعطيل عملية (Lipolysis) او تحلل الدهون. بمعنى اخر، وجود الانسولين المرتفع في الدم يعمل كقفل كيميائي يمنع الجسم من الوصول الى مخازن الطاقة في النسيج الدهني، مهما بلغ العجز في السعرات الحرارية.
المؤشرات الرقمية: تجاوز لغة التشخيص التقليدية
يعتمد التشخيص الاحترافي لمقاومة الانسولين على معايير رقمية دقيقة تتجاوز مجرد مراقبة الوزن:
معامل HOMA-IR: يعتبر الفحص الادق، حيث يتم ربط مستويات السكر الصائم بالانسولين الصائم. اي نتيجة تتجاوز 1.9 تشير الى بداية المقاومة، بينما تشير النتائج فوق 2.9 الى مقاومة شديدة تستوجب تدخلا فوريا.
نسبة الدهون الثلاثية الى الكوليسترول النافع (TG/HDL): اذا كانت النسبة اعلى من 2.5، فهذا مؤشر قوي جدا على وجود مقاومة انسولين في الكبد، وهو ما يفسر ظاهرة "الكبد الدهني" المنتشرة بكثرة.
قياس الخصر مقابل الطول: تشير الدراسات الى ان تجاوز محيط الخصر لنصف طول الانسان هو العلامة السريرية الاكثر دقة للتنبؤ بالمخاطر الايضية.
نقد الممارسات الغذائية: لماذا لا تفقد الوزن؟
تعتمد التقارير الصحفية التقليدية على لوم المريض واتهامه بقلة الارادة، لكن الحقائق العلمية تنفي ذلك. مريض مقاومة الانسولين يعاني من "جوع خلوي"؛ الخلايا تتضور جوعا لان السكر لا يدخلها، بينما الدم مشبع بالطاقة. هذا التناقض يؤدي الى نوبات جوع شرهة للسكريات خارجة عن السيطرة البشرية.
الانتقاد الموجه هنا لقطاع التغذية هو الاستمرار في الترويج لوجبات صغيرة متعددة (5-6 وجبات يوميا). هذا النمط يبقي الانسولين في حالة ارتفاع دائم، مما يعني بقاء الجسم في حالة "تخزين" على مدار الـ 24 ساعة. التعافي الحقيقي يتطلب فترات طويلة من انخفاض الانسولين، وهو ما لا يمكن تحقيقه الا بتقليل عدد الوجبات والغاء "السناك" تماما.
البروتوكول العلاجي المحدث: خطوات عملية
الخروج من نفق المقاومة يتطلب استراتيجية ثلاثية الابعاد:
اعادة جدولة التغذية: اعتماد مبدا الصيام المتقطع (16 ساعة صيام كحد ادنى) لخفض مستويات الانسولين القاعدي.
جودة المغذيات: التركيز على الاطعمة ذات المؤشر الغلايسيمي المنخفض. يجب ان تسيطر الخضروات الورقية والبروتينات والدهون الصحية على 80% من الطبق.
النشاط البدني النوعي: التركيز على تمارين المقاومة (Resistance Training) لزيادة كفاءة المستقبلات في العضلات، وهي المستهلك الاكبر للسكر في الجسم.
المصادر والدراسات الطبية:
دراسة صادرة عن جامعة كينجز كوليدج لندن (2025): اكدت ان تقليل عدد الوجبات لمرتين يوميا مع الصيام المتقطع حسن حساسية الانسولين بنسبة 35% خلال 12 اسبوعا فقط.
دراسة نشرت في مجلة New England Journal of Medicine: توضح ان فقدان 7% من وزن الجسم عبر تقليل النشويات المكررة يعادل مفعول دواء "الميتفورمين" في الوقاية من السكري بنسبة 58%.
د. كامل العجلوني (استشاري الغدد الصماء والسكري - الاردن): "السمنة الوسطية (دهون البطن) هي المسبب الرئيسي لمقاومة الانسولين، والوقاية تبدأ من الوعي بنوعية الغذاء قبل اللجوء للادوية الكيميائية".
د. باسل يونس (استشاري اول غدد صماء وسكري): "مقاومة الانسولين هي الجذر الخفي لامراض الضغط وتكيس المبايض، وعلاجها الاساسي هو الرياضة الهوائية وتعديل نمط الحياة، وليس فقط تقليل السعرات".

