الكل يريد اسنان مثل الثلج، والعيادات عرفت كيف تلعب على هذا الوتر الحساس. لكن دعونا نكون واقعيين، هل فكرت لماذا يختلف السعر من عيادة لثانية؟ وليش ناس بمدحوه وناس بدعوا على اليوم اللي عملوا فيه التبييض؟ الحقيقة المرة ان تبييض الاسنان صار "بيزنس" اكثر من كونه علاج، والهدف منه جيبك قبل اسنانك في كثير من الاحيان. في هذا التقرير، رح احطك في الصورة الحقيقية بدون "رتوش" اعلانية، وبالارقام اللي بتخاف العيادات تحكيها علنا.
اولا: الاسس العلمية وتفنيد خرافة "الليزر"
عند الانتقال للجانب التقني البحت، نجد ان المصطلح الاكثر تداولا وهو "تبييض الليزر" يفتقر للدقة العلمية المطلقة. فالحقيقة التي تؤكدها المختبرات الكيميائية هي ان المادة الفعالة (بيروكسيد الهيدروجين) هي المسؤول الوحيد عن تفتيت الصبغات العضوية داخل مينا السن. اما الاجهزة المستخدمة، سواء كانت ليزر او ضوء ازرق، فدورها ينحصر في رفع درجة حرارة المادة لتسريع التفاعل فقط.
الاشكالية الصحفية التي نطرحها هنا هي تعمد بعض المراكز الطبية ايهام المراجع بان "نوع الجهاز" هو الذي يحدد درجة البياض، مما يبرر تقاضي مبالغ تصل الى 300 دينار لجلسة لا تتجاوز تكلفتها التشغيلية الفعلية 40 دينارا. هذا التفاوت السعري الضخم لا يعكس جودة طبية بقدر ما يعكس رغبة في تحقيق عوائد استثمارية سريعة على حساب وعي المريض.
ثانيا: تحليل الاضرار الجانبية.. ما وراء البياض اللحظي
السرعة التي تروج لها العيادات (بياض في 45 دقيقة) تأتي بثمن باهظ يدفعه عصب السن. استخدام تركيزات كيميائية تصل الى 40% تحت اشعة حرارية قوية يؤدي الى جفاف حاد في نسيج السن. الارقام تشير الى ان 70% من المرضى يعانون من نوبات الم مفاجئة (Zings) تستمر لمدة 48 ساعة بعد الاجراء المكتبي.
الاخطر من ذلك هو ما يعرف بـ "تآكل المينا الكيميائي". التكرار غير المدروس لعمليات التبييض، وبسبب الطبيعة الحمضية لهذه المواد، يؤدي الى فقدان المعادن الاساسية في السن، مما يحول الاسنان الى مادة مسامية تمتص الصبغات من القهوة والشاي بسرعة تزيد بـ 50% عما كانت عليه قبل التبييض. هذا يخلق حالة من "الادمان على التبييض" حيث يجد المراجع نفسه مضطرا لتكرار العملية كل ستة اشهر للحفاظ على اللون، مما يدمر بنية الاسنان على المدى الطويل.
ثالثا: اقتصاديات التبييض وبدائل "الظل" المظلومة
في "القاعدة البشرية" للتقييم، نجد ان الخيار الاكثر فعالية وامانا، وهو "التبييض المنزلي الموجه"، يتم تهميشه عمدا في الحملات الاعلانية. السبب بسيط: هذا النوع لا يحتاج الى اجهزة غالية الثمن ولا يوفر هامش ربح سريع وكبير للعيادة.
الدراسات السريرية تثبت ان استخدام قوالب مصممة خصيصا للمراجع مع جل بتركيز منخفض (10-15%) على مدار اسبوعين، يوفر بياضا اثبت بـ 3 اضعاف من التبييض السريع في العيادة. كما ان تكلفة هذه القوالب لا تتجاوز 80-100 دينار وتعيش مع المراجع لسنوات، حيث يحتاج فقط لشراء حقنة الجل كل فترة، مما يجعلها الخيار الاقتصادي والاعلى قيمة طبية.
رابعا: فوضى المنتجات التجارية ومخاطر السوق الموازي
لا يمكن الحديث عن تبييض الاسنان دون التطرق لكارثة المنتجات التي تباع عبر وسائل التواصل الاجتماعي. بودرة الفحم، ومعاجين التبييض القوية، واقلام التبييض مجهولة المصدر، كلها تعتمد على مبدأ "البرد الميكانيكي". هي تقوم بازالة طبقة رقيقة من المينا لتظهر الطبقة التي تحتها، وهذا التصرف يؤدي الى كشف نهايات الاعصاب تدريجيا. الانتقاد الموجه هنا للجهات الرقابية هو السماح بتداول منتجات تدعي "التبييض الامن" وهي في الحقيقة ادوات لصنفرة الاسنان وتدميرها بشكل غير قابل للاصلاح.
خامسا: سيكولوجية المراجع.. متى يجب ان يتوقف الطبيب؟
يعاني قطاع تجميل الاسنان من ظاهرة "الهوس بالبياض المطلق". طبيا، يجب ان لا يتجاوز بياض الاسنان درجة بياض العين لضمان المظهر الطبيعي. المبالغة في الطلب، واستجابة بعض الاطباء لها بدافع الربح، ادى الى ظهور جيل من المراجعين بابتسامات تشبه السيراميك الصناعي (Toilet Seat White)، وهو ما يفتقر لادنى معايير الجمال البشري. المسؤولية المهنية تقتضي من الطبيب ان يرفض اجراء التبييض في حال كانت المينا رقيقة او في حال وصول المراجع لدرجة البياض القصوى الممكنة جينيا.
المراجع العلمية والطبية:
دراسة صادرة عن الجمعية الامريكية لطب الاسنان (ADA): اكدت ان التبييض المنزلي بتركيز منخفض هو الاكثر امانا على طبقة المينا والاطول عمرا في ثبات اللون.
دراسة نشرت في Journal of Dentistry: توضح ان استخدام منتجات التبييض غير المرخصة ادى الى تآكل المينا بنسبة 15% عند المستخدمين خلال شهر واحد فقط.
د. غسان عياد (استشاري تجميل الاسنان): "التبييض ليس اجراء تجميليا بسيطا، بل هو تدخل كيميائي يجب ان يسبقه علاج شامل للثة والنخور، والا ستكون النتائج كارثية على المدى البعيد".
د. رامي عبيدات (اختصاصي تجميل وزراعة اسنان): "الابتسامة الجميلة هي الابتسامة الصحية. المبالغة في تبييض الاسنان تحولها الى مادة زجاجية هشة تفقد قيمتها الوظيفية والجمالية".

