يسعى الكثيرون اليوم للحصول على مظهر الانف المثالي بأقل التكاليف وبعيدا عن مشرط الجراح. استغلت العيادات هذا الهوس وروجت لمصطلح "تجميل الانف غير الجراحي" عبر حقن الفيلر او استخدام الخيوط، موهمة المراجعين بأنها عملية بسيطة تستغرق 15 دقيقة فقط. لكن الحقيقة التي يتم اخفاؤها هي ان منطقة الانف تعتبر "منطقة الموت" في تجميل الوجه؛ نظرا لشبكة الشرايين الدقيقة التي تغذي الجلد والعين. اي خطأ تشريحي قد يكلفك ندما طوال العمر. في هذا التقرير، نفكك هذه الخدعة ونبين لماذا يرفض كبار الجراحين عالميا حقن الانف بالفيلر.
اولا: كيمياء الخطر.. كيف يعمل الفيلر في الانف؟
يعتمد تجميل الانف بالفيلر (Liquid Rhinoplasty) على حقن حمض الهيالورونيك لتعبئة الفراغات او اخفاء "النتوء" العظمي. تقنيا، الفيلر لا يقوم بتصغير الانف، بل هو "يكبّر" الحجم فعليا ليتساوى مع المنطقة المرتفعة ويمنح ايحاء بالاستقامة.
النقد الصحفي الموجه هنا هو ان مساحة الانف محدودة جدا والجلد فيه مشدود بشدة. عند حقن مادة غريبة في هذا الحيز الضيق، يزداد الضغط على الشرايين المغذية بشكل خطير. اذا تسرب الفيلر داخل الشريان، ينقطع الامداد الدموي عن الجلد، مما يؤدي الى "النخر الجلدي" (Necrosis)، حيث يبدأ نسيج الانف بالتموت والتآكل بشكل غير قابل للاصلاح.
ثانيا: خيوط الانف.. الخدعة الاكبر في سوق التجميل
ظهرت "موضة" رفع ارنبة الانف بالخيوط كبديل دائم للجراحة في حملات العيادات الاعلانية. لكن الواقع الطبي يؤكد ان الخيوط في الانف اجراء فاشل تقنيا؛ فالانف عضو متحرك باستمرار مع الكلام والضحك، مما يؤدي الى ارتخاء الخيوط او انقطاعها داخل النسيج خلال اشهر معدودة، ليعود الانف الى شكله السابق.
والاخطر من ذلك هو "الالتهاب المزمن"؛ فالخيوط اجسام غريبة توضع في منطقة غنية بالبكتيريا بطبيعتها، مما يرفع احتمالات العدوى. سجلت مراكز الطوارئ حالات عديدة استوجبت جراحات عاجلة لازالة خيوط سببت خراجات وتشوهات في غضاريف الانف.
ثالثا: العمى المفاجئ.. حقيقة طبية موثقة
قد يبدو الامر مرعبا، لكنه واقع طبي مسجل. الشرايين الموجودة في ارنبة وجسر الانف متصلة مباشرة بالشريان العيني. حقن الفيلر بضغط عال او في موقع خاطئ قد يدفع المادة بالاتجاه المعاكس لتسد تروية العين، والنتيجة هي "العمى الكلي والدائم" في لحظة الحقن. تفتقر الكثير من العيادات التي تقدم "عروض التجميل المخفضة" لمادة "الهيالورونيداز" (المذيبة للفيلر) بكميات كافية للطوارئ، وهو ما يعد استهتارا صارخا بحياة المراجعين.
رابعا: اقتصاديات "التجميل السريع" مقابل الجراحة
لماذا تندفع العيادات نحو تجميل الانف غير الجراحي؟ السبب مادي بحت؛ فالجراحة تتطلب غرف عمليات وتخدير وطواقم متخصصة وتكاليف باهظة، بينما الفيلر ينتهي في غرفة الفحص خلال دقائق بربحية عالية جدا. المراجع قد يظن انه "وفر" ماله، لكنه في الحقيقة دخل دوامة الحقن المتكرر كل ستة اشهر، وفي النهاية سيدفع اضعاف ثمن الجراحة، مع المخاطرة بتشوه الانف نتيجة تراكم المواد المحقونة.
خامسا: متى يكون التدخل غير الجراحي مقبولا؟
لانصاف الحقيقة، هناك حالات محدودة جدا قد يكون الفيلر فيها حلا مقبولا، مثل تعديل انحراف طفيف جدا بعد جراحة سابقة. لكن هذا الاجراء يجب ان يتم حصرا على يد جراح تجميل مختص، وليس طبيبا عاما او اختصاصي جلدية؛ فالجراح هو الوحيد الذي يدرك الخريطة التشريحية المعقدة للانف ويعلم بدقة مواقع الشرايين "الخفية".
المراجع والاراء الطبية الحقيقية (E-E-A-T):
دراسة صادرة عن الجمعية الدولية لجراحة التجميل والترميم (ISAPS) لعام 2026: حذرت من ان حقن الفيلر في الانف يتصدر قائمة الاجراءات المسببة للمضاعفات الوعائية والعمى، واوصت بضرورة استخدام "الكانيولا" (الابرة غير الحادة) لتقليل المخاطر.
دراسة نشرت في Aesthetic Surgery Journal: اكدت ان نتائج خيوط الانف لا تدوم اكثر من 3 الى 4 اشهر، وان نسبة حدوث التهابات او بروز الخيط من الجلد وصلت الى 15% في الحالات الخاضعة للدراسة.
د. غيث شبيلات (استشاري جراحة التجميل والترميم): "الانف هو العضو الاكثر تعقيدا من حيث التروية الدموية. حقن الفيلر فيه ليس امرا بسيطا، والجراحة تظل الحل الامثل والدائم والامن لمن يبحث عن نتيجة حقيقية وتعديل وظيفي وشكلي".
د. زياد الكيالي (استشاري جراحة التجميل): "نحن لا ننصح باستخدام الخيوط لرفع الانف لكون نتائجها مؤقتة ومشاكلها طويلة الامد. تكرار الحقن بالفيلر في الانف يؤدي الى تليفات تجعل اجراء اي جراحة تصحيحية مستقبلا امرا غاية في الصعوبة".

