في الأردن، لا يوجد تأمين صحي "أفضل" بشكل مطلق، فالسوق يضم عشرات البرامج والشركات التي تتباين في الأسعار والتغطيات ونطاق الخدمات، مما يجعل الاختيار المناسب مرتبطًا بالاحتياجات الفردية والقدرة المالية لكل شخص أو عائلة.
منذ سنوات، أصبح التأمين الصحي أحد أهم الملفات التي تشغل المواطنين الأردنيين، في ظل ارتفاع كلف العلاج في القطاع الخاص، وتراجع قدرة النظام الصحي العام على استيعاب الأعداد المتزايدة من المرضى.
ورغم التقدم في تنظيم قطاع التأمين من خلال هيئة التأمين والاتحاد الأردني لشركات التأمين، فإنّ السؤال الأبرز ما يزال مطروحًا: هل يحصل المواطن الأردني فعلاً على تأمين صحي يضمن له العلاج الآمن والمستدام؟
أولاً: نظرة عامة على سوق التأمين الصحي في الأردن
يُعتبر قطاع التأمين الصحي في الأردن من القطاعات النامية والمتغيرة باستمرار. فبحسب الاتحاد الأردني لشركات التأمين، يوجد في المملكة أكثر من 19 شركة تأمين مرخّصة، من بينها شركات عامة وشركات متخصصة في التأمين الصحي والطبي، إلى جانب عدد من الشركات التكافلية الإسلامية.
ويبلغ حجم أقساط التأمين الصحي سنويًا مئات الملايين من الدنانير، وهو ما يشكّل نسبة معتبرة من إجمالي سوق التأمين الأردني.
ورغم هذا التنوع، يظلّ التأمين الصحي في الأردن خاضعًا لتباينٍ واسع في جودة الخدمات ومستوى التغطية. فبعض الشركات تقدم خططًا شاملة تصل تغطيتها إلى مليون دينار سنويًا للفرد، بينما تقتصر شركات أخرى على تغطية أساسية محدودة لا تشمل سوى الدخول إلى المستشفيات العامة.
يُذكر أنّ نسبة الأردنيين المشمولين بأي شكل من أشكال التأمين الصحي (حكومي أو خاص أو عسكري أو نقابي) تتجاوز 87% وفق بيانات دائرة الإحصاءات العامة، إلا أن نحو 30% من المؤمنين يعانون من فجوة حقيقية في التغطية، أي أنّ تأمينهم لا يغطي كامل احتياجاتهم الصحية.
ثانيًا: تنوع الشركات والبرامج بين القطاعين التقليدي والتكافلي
يضم السوق الأردني مجموعة من الشركات البارزة التي تتنافس على تقديم برامج متنوعة للأفراد والعائلات والمؤسسات. وفيما يلي أبرز هذه الشركات وبرامجها المميزة:
1. المجموعة العربية الأردنية للتأمين
تُعرف هذه الشركة بتركيزها على سرعة تسديد المطالبات الطبية والنقدية، وهو عامل رئيسي في رضا العملاء. تتعامل الشركة مع شبكة "نات هيلث" التي تُعد من أكبر الشبكات الطبية في الأردن، وتشمل آلاف مقدمي الخدمات الطبية من مستشفيات وعيادات ومختبرات وصيدليات.
2. جي آي جي (GIG)
تُعتبر من أكبر الشركات العاملة في المنطقة، وتقدّم في الأردن برامج مميزة مثل "360" الذي يوفر تغطية عالمية، وبرنامج "كراون عائلتي" الذي يقدّم تغطية شاملة للعائلات. وتمتاز الشركة بقدرتها على توفير تغطية دولية وإمكانية استخدام التأمين أثناء السفر أو العلاج في الخارج.
3. النسر العربي للتأمين
تقدّم الشركة برنامج "بلسم" للعناية مدى الحياة، والذي يتيح تجديدًا تلقائيًا ودون انقطاع في التغطية. يغطي البرنامج تكاليف العلاج داخل المستشفى وعمليات الولادة والعناية المركزة وبعض الحالات المزمنة.
4. المنارة الإسلامية للتأمين
تعمل وفق نظام التأمين التكافلي المتوافق مع أحكام الشريعة الإسلامية، وتقدّم برامج فردية وعائلية عبر شبكات طبية واسعة مثل "نات هيلث" و"غلوب مد".
يُعتبر هذا النوع من التأمين خيارًا مناسبًا لمن يفضل حلولًا شرعية تقوم على مبدأ التكافل بين المشتركين.
5. القدس للتأمين (JICO)
من أقدم وأبرز الشركات العاملة في الأردن، وتقدّم برنامج "كيور" (CURE) الذي يضم فئات متعددة مثل (VIP، الدرجة الأولى، الدرجة الثانية)، مع تغطية داخل وخارج المملكة.
تصل حدود التغطية في بعض البرامج إلى مليون دينار سنويًا للفرد، مع إمكانية تغطية العمليات الجراحية والعلاجات المتقدمة في الخارج.
6. الشركة الإسلامية للتأمين
من الشركات التكافلية الرائدة التي تقدم حلولًا تأمينية متوافقة مع الشريعة، وتضم شبكة طبية شاملة تغطي مختلف المحافظات.
تركز الشركة على مفهوم "المشاركة في تحمل المخاطر"، بما يعزز روح التعاون بين المؤمنين.
7. النقابات المهنية
توفر بعض النقابات، مثل نقابة المهندسين والأطباء والمعلمين، برامج تأمين صحي لأعضائها بأسعار تفضيلية.
ورغم أن هذه البرامج أقل مرونة مقارنة بتلك التي تقدمها الشركات الخاصة، إلا أنها تغطي نسبة واسعة من العاملين في المهن المنظمة.
ثالثًا: ما الذي يجب مراعاته عند اختيار التأمين الصحي؟
اختيار التأمين الصحي المناسب لا يعتمد فقط على السعر، بل على مجموعة من العوامل التي يجب دراستها بعناية:
1. نطاق التغطية
تختلف التغطية بين شركة وأخرى.
من المهم التأكد من أن الخطة تشمل العلاج داخل المستشفى، والعيادات الخارجية، والمختبرات، والأدوية.
كما أن بعض الخطط توفر تغطية دولية أو إقليمية، وهو أمر مهم لمن يسافرون باستمرار.
2. الشبكة الطبية
كل شركة تتعامل مع شبكة محددة من مقدمي الخدمات.
شبكة "نات هيلث" و"غلوب مد" هما الأكبر في الأردن، وتضم آلاف المستشفيات والعيادات والمختبرات.
يُنصح دائمًا بمراجعة قائمة المستشفيات المعتمدة قبل الاشتراك، للتأكد من وجود المستشفى المفضل لديك ضمن الشبكة.
3. سقف التغطية السنوي والحد الأقصى للحالات
تختلف حدود التغطية باختلاف البرنامج. في بعض البرامج، مثل "كيور" من القدس للتأمين، قد يصل السقف إلى مليون دينار سنويًا، بينما في برامج أخرى يكون أقل من 50 ألف دينار.
من المهم مراجعة التفاصيل الدقيقة حول ما يغطيه التأمين في كل حالة مرضية.
4. المزايا الإضافية
تشمل بعض البرامج خدمات مثل تغطية الأسنان، أو النظر، أو العلاج الطبيعي، أو متابعة الحمل والولادة.
قد تكون هذه الخدمات حاسمة في تحديد قيمة التأمين، خاصة للعائلات أو كبار السن.
5. خدمة العملاء وسرعة تسديد المطالبات
من أكثر الأمور التي تحدد رضا المؤمنين هي سهولة المطالبة وسرعة السداد.
بعض الشركات تمتاز بإجراءات إلكترونية سريعة، فيما تتأخر أخرى لأسابيع في معالجة المطالبات.
الشفافية في التعامل وخدمة ما بعد البيع من أهم عوامل الثقة.
رابعًا: البيئة التشريعية والتنظيمية للتأمين الصحي في الأردن
يُشرف على قطاع التأمين في الأردن هيئة التأمين بالتعاون مع وزارة الصناعة والتجارة والاتحاد الأردني لشركات التأمين.
تسعى هذه الجهات إلى تنظيم العلاقة بين الشركات والمؤمنين وضمان العدالة في العقود.
1. الرقابة والتشريعات
تُلزم التشريعات الأردنية شركات التأمين بتقديم وثائق واضحة ومحددة البنود، وتمنع الممارسات التي تضر بالمؤمن عليهم.
كما تُلزمها بالاحتفاظ باحتياطيات مالية لتغطية المطالبات الطبية، وتقديم تقارير دورية حول أدائها المالي والإداري.
2. الإشراف على الشكاوى والنزاعات
تتلقى هيئة التأمين مئات الشكاوى سنويًا تتعلق بتأخير سداد المطالبات أو رفض تغطية بعض الحالات.
تُعالج هذه الشكاوى من خلال لجان مختصة تضمن حقوق المواطنين وتراقب التزام الشركات.
3. الاتجاه نحو التحول الرقمي
تعمل العديد من شركات التأمين على رقمنة الخدمات التأمينية، بما يشمل التسجيل الإلكتروني، وتسديد المطالبات عبر التطبيقات الذكية، وإصدار بطاقات إلكترونية للمشتركين.
هذا التحول يسهم في تسريع الخدمات وتقليل الأخطاء الورقية التي كانت تعيق المعاملات سابقًا.
خامسًا: التحديات التي تواجه قطاع التأمين الصحي
رغم التطور الكبير الذي شهده القطاع خلال العقد الأخير، إلا أنّ هناك جملة من التحديات البنيوية والاقتصادية التي تواجهه:
1. ارتفاع كلفة الخدمات الطبية
تُعدّ كلفة العلاج في الأردن من الأعلى في المنطقة مقارنة بدخل الفرد، مما يضع ضغطًا على شركات التأمين التي تضطر لرفع الأقساط لتعويض هذه الكلف.
2. ضعف الوعي التأميني
ما يزال عدد كبير من المواطنين ينظر إلى التأمين الصحي كـ"خيار ترفيهي"، وليس كضرورة حياتية.
هذا الوعي المحدود يقلل من قاعدة المشتركين ويحد من قدرة الشركات على توزيع المخاطر.
3. فجوة الثقة بين المواطن والشركات
يشكو بعض المشتركين من تأخر تسديد المطالبات أو من استثناء بعض الحالات عند الحاجة للعلاج، مما يخلق حالة من الشك وعدم الثقة في بعض الشركات.
ويُعد تحسين الشفافية والإفصاح من أهم الخطوات المطلوبة لمعالجة هذه الفجوة.
4. الحاجة إلى تشريعات محدثة
رغم وجود قوانين منظمة، إلا أن هناك حاجة دائمة لتحديث التشريعات بما يتناسب مع التطورات الطبية والتكنولوجية الجديدة.
كما أن التوسع في التأمين الإلكتروني (E-Insurance) يحتاج إلى إطار قانوني أكثر وضوحًا.
سادسًا: آراء المواطنين والخبراء
تشير استطلاعات رأي غير رسمية إلى أن غالبية المواطنين يعتبرون التأمين الصحي الخاص "ضرورة لا يمكن الاستغناء عنها"، لكنهم في الوقت ذاته يعانون من ضعف الشفافية في بعض الشركات.
ويقول الخبير التأميني أمين حتر إن "القطاع يحتاج إلى إعادة تنظيم آليات تسعير الخدمات الطبية، لأن ارتفاع أسعار العلاج يشكّل عبئًا على كل من المواطن وشركة التأمين على حدّ سواء".
أما الخبيرة الاقتصادية د. ليلى السالم فتشير إلى أن "التأمين الصحي يمكن أن يصبح أداة فعالة لدعم الاقتصاد الوطني إذا تم تنظيمه بشكل أفضل وزيادة الوعي العام حول أهميته".
سابعًا: التوجهات المستقبلية
من المتوقع أن يشهد سوق التأمين الصحي الأردني تحولات كبيرة خلال السنوات المقبلة، منها:
التحول نحو التأمين الإلكتروني لتسهيل الاشتراك والسداد والمطالبة.
زيادة الطلب على التأمين التكافلي مع نمو الوعي الديني والمالي.
دمج التكنولوجيا الطبية والذكاء الاصطناعي في متابعة المطالبات وتحليل البيانات الصحية.
تعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص لتوسيع مظلة التأمين وتخفيف الضغط عن المستشفيات الحكومية.
تلك التحولات قد تجعل من السوق الأردني نموذجًا متقدمًا في المنطقة إذا ما تم تطويره ضمن رؤية اقتصادية شاملة توازن بين الربحية والخدمة المجتمعية.
خاتمة
في النهاية، يبقى التأمين الصحي في الأردن مزيجًا بين الفرص والتحديات.
فبينما تتسابق الشركات في طرح برامج جديدة وتغطيات موسّعة، ما يزال المواطن يبحث عن التأمين الذي يمنحه الطمأنينة المالية والصحية الحقيقية دون تعقيدات أو استثناءات.
المعادلة المثالية لم تتحقق بعد، لكنها قابلة للتحقيق إذا ما تم تعزيز الرقابة والشفافية، ودعم ثقافة الوعي التأميني، وربط القطاع الخاص بالخطط الوطنية للتغطية الشاملة.
وبين كل تلك التفاصيل، تظلّ الحقيقة الأوضح: أنّ "أفضل تأمين صحي" هو ذاك الذي يناسب احتياجاتك وميزانيتك، ويقدّم لك الأمان عند الحاجة، لا بعد فوات الأوان.











